يشعرني بعض المسلمين من المتعصبين حين أشاهد ردود أفعالهم الحماسية تجاه بعض الوقائع، أنهم لو عاشوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم، فحتمًا سيُسلمون يوم فتح مكة عندما ترغم أنوفهم، وحتى قبلها بيوم سيظلون معاندين رغم أن الحق لائح؛ لأنه لا سبيل لديهم إلى ترك ما اعتقده آباؤهم، وما نشؤوا عليه.
قد يتعجب البعض كيف أتصور أن متعصبًا للإسلام يمكن أن يقف ذلك الموقف المعاكس لو عاش زمن الدعوة، ولكنني أقول أن تكوينه النفسي الذي يحمله اليوم على التعصب لِما يوهم نفسه أنه من لوازم الدين، هو ذاته الذي كان سيجعله متعصبًا ضده، وفي زمرة أبي جهل وأبي لهب، وإن أراد الله به خيرًا فسيدخل بيت أبي سفيان وهو آمن!
أزمة مكبرات الصوت الخارجية في صلاة التراويح
أكتب هذا المقال على خلفية ما يمكن تسميته «أزمة مكبرات الصوت الخارجية في المساجد في صلاة التراويح»، فهي أزمة لأن بعض المتعصبين لم يفوِّت الفرصة ليجعلها تبدو كذلك، على الأقل على صفحات التواصل الاجتماعي.
تم الدعاء على فضيلة المفتي ورميه بالعظائم، وكأنه قد منع إقامة الصلاة! وتم التباكي على الهوية الإسلامية لمصر، والتي أصبحت مكبرات الصوت علامة على وجودها! وحديث سخيف تم الزج به عن أصوات مكبرات أصوات الأفراح والضوضاء الناتجة عن الزحام وغيرها، والتي نتحملها راضخين، فما ضرّنا لو تحملنا أصوات مكبرات الصوت الخارجية للمساجد في رمضان، حتى نستشعر الأجواء الرمضانية المرتبطة في وجداننا بتلك الأصوات؟ ولم يخل الأمر من توجيه الاتهامات للإخوة الأقباط بأن القرار صدر محاباةً لهم.
ولكن كان أشد ما هال هؤلاء المتعصبين أن يوجد مسلمون يُظهرون تأييدًا لهذا القرار، فاستخدموا كافة أنواع المغالطات المنطقية مع من علّقوا بتأييد القرار؛ لإقناعهم أنهم مخطؤون، وأنهم مطالبون باحتمال الأصوات العالية الصادرة من مكبرات الصوت الخارجية بالمساجد، والتي على علوها لا يكاد السامع يُميز منها شيئًا، وربما نأثم بسببها لعدم إنصاتنا لصوت القرآن إن كان هناك مجال للتمييز، كما أنه لا فائدة منها لمن في البيوت، فلا هم سيصلون الجماعة بإمامة شيخ المسجد، ولا سيتمكنون من أن يخشعوا في صلاتهم عندما يُصلّون فُرادى مع التشوش الذي سيحدث لهم من أصوات المكبرات. وطبعًا لم يفت المتباكون على الهوية أن يلفتوا من يرغبون أداء الصلاة في البيت إلى فضل صلاة الجماعة في المسجد، والذي سيجعل هؤلاء الكسالى أكثر تجاوبًا وخضوعًا لرغبات المهاوييس بالطقوس، الفاشلين في تمييز المقدس من غير المقدس.
فأصوات مكبرات الصوت حق مكتسب لهم. ليس لك الحق أن ترفضه، بل لا يحق لك حتى مجرد إظهار الميل للرأي المخالف، مسلمًا كنت أو مسيحيًّا، فهم يعتبرونها دليلًا على الهوية الإسلامية لمصر، وعادة مقدسة غير مسموح بقطعها خاصة في رمضان!
أزمة منع صلاة الجمعة في الزوايا
ذكّرتني تلك الأزمة بأزمة الزوايا من قرابة الثلاث سنوات، عندما صدر قرار وزير اﻷوقاف بإلغاء إقامة صلاة الجمعة في الزوايا والمساجد الصغيرة، وقصرها على الجوامع الكبيرة. وثارت ثائرة نفس القُطعان البشرية التي تُحسبن اليوم على ضياع الإسلام في مصر!
والزوايا – لمن لا يعلم- تعتبر من مبتدعاتنا في مصر، فالمفترض في المسجد أن يكون من أرضه لسمائه؛ أي ألّا يُبنى فوقه. ويمكن التجاوز عن هذا في أمريكا والدول اﻷوروبية وما شابهها، والقبول بأن يكون مبنى مسجد عبارة عن طابق في عمارة سكنية، لكن ما حاجتنا لهذا في مصر؟!
وما ﻻ يعرفه كثيرون أيضًا أن بداية إنشاء هذه الزوايا في المنازل كان للتهرب من الضريبة العقارية؛ حيث نص القانون على إعفاء المباني التي بها زوايا صغيرة للصلاة من دفع الضريبة، أي أن أغلبها أُقيم للتحايل على أداء حق الدولة وليس ابتغاء مرضاة الله.
وأيًّا كان الغرض من بنائها فالزاوية هي مجرد مصلى وليست مسجدًا، كما أن رسالة الجوامع أن تجمع المسلمين ﻻ أن تفرقهم بأن يجتمع كل ثلاثين أو أربعين شخصًا في مكان صغير؛ فهذا تفريق للأمة ومخالف لمنهج السلف، الذي يدّعي من يفعلون هذا اﻻقتداء به، وما سُمِّي الجامع جامعًا إﻻ ﻷنه يجمع المسلمين.
ولكنه التعصب قاتله الله. وكم من دواعش بيننا، يتعصبون لما لا يلزم التعصب له، ولو ملكوا لحرمونا الهواء.
التعصب
تعد مشكلة التعصب، وما يرتبط بها من مفاهيم وقضايا ذات صلة بها، وأهمها التطرف، من أشد المشكلات ضراوة وتأثيرًا في الإنسان، ولقد بذل علم النفس جهودًا واسعة لفهم طبيعة التعصب وأسبابه. والتعصب هو سبب للتطرف وهو نتيجة له في آنٍ واحد؛ فالتعصب يعني إعطاء أحكام جامدة بالصحة تجاه فكرة ما. كما أن انتماء شخص لجماعة متطرفة يعني بالضرورة تعصبه لأفكارها. ويُعِد التعصب الفرد للشعور والتفكير والإدراك والسلوك بطرق تتفق مع اتجاه التعصب.
والتعصب باعتباره سمة نفسية يرتبط بسمة عقلية هي الجمود العقلي، فهو يعمي ويصم ويشوه إدراك الواقع، لأنه يقتضي رفض مناقشة أو تعديل الأحكام، أو التعميم غير المصحوب بدليل تجاه فكرة أو جماعة. ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة كافية بالموضوع المتعصب له، وإن كنا نحاول أن نبرره، ويستخدم التعصب كستار لإخفاء ضعف الحكم العقلي بالصحة على الموقف المتعصب له.
وأستطيع أن أقول بأريحية إن أغلب البشر عنصريون، ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًّا في أي نطاق وستجد عزوفًا عنه؛ فالثنائية تعني الحدّية القطبية. إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ودائمًا القطب المقابل هو العدو. من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يُكرِّس للعداوة، بينما تقبُل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم «الإنسانية».
والتعصب مرض اجتماعي عضال، وسبب لكثير من الأمراض الاجتماعية، وعلى رأسها التطرف، ولم تنجح كل محاولات علاجه حتى الآن. قرأت مرة مقولة «لقد أصبحت عملية فلق الذرة الآن أسهل من عملية القضاء على التعصب».
يُعرِّف عادل عز الدين الأشول الاتجاه التعصبي بأنه: «اتجاه يجعل الشخص قبليًّا، أو يجعله ميالًا للتفكير والإدراك والإحساس والتصرف بطرق محابية أو غير محابية نحو جماعة معينة، ونحو أعضائها». ويشتمل هذا التعريف على ثلاثة مكونات:
- مكون معرفي: وهي جملة الأحكام المسبقة الأولية التي يكونها الفرد قبل دخوله في موقف تفاعل مع أعضاء جماعة أخرى، مضافًا إليها مجموعة من القوالب النمطية التي كونتها الجماعة الداخلية عن الجماعة الأخرى المتصارعة معها؛ الجماعة الخارجية. وهذه القوالب النمطية تتصف بقدر كبير من الجمود والتعميم والتواتر، إذ تصنف الأفراد وفقًا لخصائص معينة لتعيين هويتهم، ويتفق المدركون على الصفات التي يمتلكها أفراد كل فئة، ويوجد تباين بين السمات التي تنسب وتعزى إليهم، والسمات الفعلية التي يتسمون بها فعلًا. كذلك يتضمن المكون المعرفي معتقدات الفرد ومعارفه حول الجماعات الأخرى، والمواقف والأفكار المؤيدة أو المخالفة له.
- مكون انفعالي: وهو جملة المشاعر والانفعالات الموجبة (حب وتعاون وتآلف وإيثار للجماعة الداخلية وأعضائها)، أو السالبة (كراهية ونفور وتدابر، وأثره نحو الجماعة أو الجماعات الخارجية المناهضة أو المتصارعة).
- مكون سلوكي: ويقصد به إمكانية التعبير السلوكي عن التعصب من خلال المعاملة التفاضلية، أو التباينية، أو الطبقية الصريحة لفرد ما بسبب عضويته في جماعة.
ويربط هذه المكونات جميعًا علاقة من الاتساق والتناغم، بحيث إن المعتقدات والانفعالات نحو موضوع ما، أو شخص ما، أو جماعة ما، تحدد إلى درجة كبيرة ما سيكون عليه سلوك الفرد أو الموقف، وعندما يحدث تنافر وعدم اتساق بين أحد هذه المكونات والمكونين الآخرين فإن الفرد يقع فريسةً للقلق والاضطراب، مما يدفعه إلى إنكار التعارض أو تعديل أحد المكونات ليتلاءم مع المكونين الآخرين، وهذه النقطة كانت مدخلًا لتعديل الاتجاه التعصبي في العديد من الدراسات.
وقد يكون التعصب عرقيًّا أو سياسيًّا أو دينيًّا أو مذهبيًّا أو طائفيًّا أو طبقيًّا. ولا يخفى على أحد الدور الذي يلعبه الإعلام الغربي في إلصاق تهمة التعصب الديني بالمسلمين عمومًا، لتفسير بعض الجرائم الإرهابية التي تمت على يد أبناء تلك الفرقة المتطرفة من المسلمين، سواء على أراضٍ غربية، أو في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا لا يلغي حقيقة التصور بأن التعصب الديني والتعصب بوجه عام هو أحد منابع الإرهاب، ومن أهم الأسباب التي تقف وراء العديد من الحوادث الإرهابية في العالم.
وقد توصلت أغلب الدراسات إلى أن الاتجاه التعصبي هو اتجاه عام، فالمعول عليه هو أسلوب اعتقاد الفرد، وليس محتوى هذا الاعتقاد.
العادة وكيف تسري في العقل الجمعي المصري
من المعروف عن الشعب المصري ولعهم بالآثار والأنتيكات وكل ما هو قديم، وإذا ما تعلق الأمر بالعادات فتفكيرك في تغيير إحداها ربما يكون ضربًا من ضروب الخيال، والإغراق في الأوهام.
على سبيل المثال فإنه رغم تغلغل الفكر السلفي في مصر منذ عقود، ورغم الفتاوى السنوية بتحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وشم النسيم وغيرها، ففتاواهم يتم الإلقاء بها بجانب صناديق حلوى المولد الفارغة وصفائح الفسيخ.
بمجرد أن تتكون العادة عند المصريين يُصبح اقترابك منها ومحاولة إلغائها دخولًا في عش الدبابير، ولتتحمل ما قد يجره عليك تصرفك. وهم في هذا يفشلون تمامًا في فصل المقدس عن غير المقدس، وربما كانوا في اللاوعي يفصلون، ولكنها الرغبة الملحة لديهم في الحفاظ على عاداتهم، خاصةً إن ارتبطت تلك العادة بهويتهم الدينية التي يفرطون في التعصب لها.
لكن المنطق يقول إنه مهما ارتبط غير المقدس بالمقدس وصارا أشبه بفنجان القهوة وجريدة الصباح، فالإنسان العاقل يعرف كيف يفصل بينهما، لكن هل للمتعصب ذات السمات العقلية للبشر العقلاء؟!
سمات تفكير المتعصب
يتسم تفكير المتعصب بسمات أهمها:
تقبله لأوامر السلطة دون إعمال العقل، ولا يستند إلى أسباب موضوعية للحكم. يفتقد المنطق السليم؛ فهو لا يفكر في الأمور بعقلانية واضعًا الهدف نصب عينيه. يفتقد الأمانة العلمية وينتصر لرأي جماعته ولو زورًا حتى لو اضطر للخروج عن جوهر موضوع النقاش. مهتم بأن يكون على حق وليس مهتمًا بالبحث عن الحقيقة. وينقصه المستوى المتطلب من التفكير الناقد، والذي يجعله يضع معايير صحيحة لتقييم ما يُشاع أنه أفضل أو صحيح؛ فهم يستخدمون غالبًا معايير فاسدة متحيزة للحكم بقبول أو رفض الأفكار، ويتأثرون بالبهارج المصاحبة لكثير من الأفكار عديمة القيمة، ويصدقونها دون تمهل، بالتالي يسهل شحنهم وتحويلهم إلى متطرفين فكريًّا، خاصة على المستوى الديني أو السياسي.
عود على بدء
إن رمضان في مخيلة هؤلاء المتعصبين يقترن بأجواء احتفالية صاخبة وأضواء وأصوات، وهو دليل على حب هذا الشعب للشهر الكريم، ولكن هذا الصخب أبعد ما يكون عن جوهر الرسالة الروحانية التي يحملها لنا رمضان!
وأتساءل، هل المسلم الذي أدرك عمق الإيمان وحقيقته والغرض من الشهر الكريم من المفترض أن يمثل له رمضان جلبة وصخبًا يدافع عنه لدرجة التطاول على من يرغب في تخفيف تلك الأجواء؟
هل نحن حقًّا فهمنا جوهر الدين؟
The post سيدخل بيت أبي سفيان وهو آمن! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست