إن ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 كانت حدثًا مفاجئًا، سواء لنظام 23 يوليو 1952، أو للقوى المناهضة له سواء منها الإسلامية أم العلمانية، فلم يكن هناك استعداد لحدوثها أو لمواجهة تطوراتها.
بل إن الثورة باعتبارها مفهومًا من مفاهيم علم الاجتماع السياسي لم يكن هناك إدراك أو معرفة لهذا المفهوم وأبعاده، ما هي الثورة؟ ما هي مراحلها؟ ما هي المرحلة الانتقالية؟ وكيف تدار؟ ما هي الثورة المضادة؟ وكيف نواجهها؟
إننا في أزمة معرفة وتأهيل في المقام الأول، بل إن نظام 23 يوليو 1952 نجح نجاحًا باهرًا في عزل مناوئيه، ومناهضيه طوال تاريخه عن السلطة ودولاب الحكم وممارسته؛ بل وتجهيل النخبة السياسية المعارضة عن هيكلة السلطة داخل النظام، وفي القلب منها ومركز الثقل فيها الجيش.
وإن العلمانيين أصحاب الثقافة والفكر الأوروبي الحداثي يواجهونك كثيرًا بجمل مثل: «ما كناش عارفين إن الثورة بتاخد وقت طويل»، «ما كناش نعرف إن الثورة بتمر بالمراحل دي»، «ما كناش عارفين مسألة الدولة العميقة وقوتها واللي كان مرسي بيعاني منها» هذه بعض كلمات عن من ثاروا على مرسي وتحالفوا مع العسكر «الثورة المضادة»، ووصلوا بذلك إلى تقويض الثورة وهزيمتها، وهم الذين كانوا يتكلمون كثيرًا عن الثورة الفرنسية، وقيمها ومراحلها وإنجازاتها!
وما وصلنا إليه جميعًا في هذه المرحلة هو انتصار الثورة المضادة، وسعيها الدؤوب لتجفيف منابع الثورة وتوطيد سلطة العسكر، والهدف النهائي هو العودة لحالة استقرار النظام كما كان في عهد مبارك، في أواخر التسعينات، ولا يمكن فصل الثورة المضادة ونجاحها عن الراعي الإقليمي لها، ومن ورائه الراعي الدولي لها، الذين مهدوا وخططوا ومولوا وما يزالون، والذين تتناقض أهدافهم ومصالحهم مع ثورة 25 يناير بكل أطيافها والرؤى المختلفة لهذه الأطياف، والذين يختلفون الآن من الرعاة الإقليميين للثورة المضادة مع النظام الآن، إنما يختلفون حول تعديلات يطلبونها لاحتواء قوى معينة «الإخوان»، وذلك لضمان استمرار نجاح الثورة المضادة وتحقيق الهدف النهائي ألا وهو استمرار الاستقرار السياسي للنظام، ولا يهولنك ضجيج الدعاية الإخوانية عن صراع السعودية مع النظام أو حتى الصراعات داخل النظام نفسه، فحتى هذه الأخيرة هي صراعات بين أجنحة داخل نظام واحد للحفاظ عليه وتحقيق نجاحه واستقراره، فهو اختلاف حول وسائل وأساليب وليس حول سياسات وغايات أو مناهج أو مصالح أو هيكلة جديدة للسلطة تسمح للمناوئين بمكان داخلها.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل انتهت ثورة 25 يناير أم أن للقصة بقية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم مستويين من التحليل:
· مستوى تحليل النظام.
· مستوى تحليل الثورة.
لفهم نظام 23 يوليو 1952 لا بد من فهم تاريخي للتأسيس والمراحل، فهو نظام قام في الأصل كحركة عسكرية للانقلاب على نظام الحكم القائم، وهو النظام الملكي وهم يعطون لأنفسهم شرعية للتحرك في أمرين:
· أن تدخل العسكر في السياسة أخذ شرعيته من تدخل عرابي والجيش ضد الخديوي توفيق، وهو ما رفضه رئيس الوزراء شريف باشا والذي كان واعيًا لخطورة خروج العسكر عن وظيفتهم وتدخلهم في السياسة، وأرسل لهم خطابات صريحة يطالبهم فيها بالعودة إلى الثكنات. [1]
· أنهم خرجوا للحفاظ على الأمن القومي، وهو نفس المبرر الذي يستخدمه النظام في كل مرحله بل وفي كل الأزمات.
وفي الحقيقة هذا النظام تأسس لاحتواء حالة الثورة التي كان يعيشها شعب مصر في الفترة من 1945 – 1952، والتي كانت تخشى الولايات المتحدة من خروجها خارج إطار الهيمنة الغربية وكان لديها نوعان من الحلول: إما إصلاح النظام القائم وهو ما ثبت فشله، وإما خروج حاكم مستبد قوي يمسك بزمام الأمور ويوجه هذا الوضع الثائر إلى وضع تحت السيطرة [2]. ومن خلال تبني السياسات الداخلية والخارجية التي دعت إليها القوى الكبرى في هذا الحراك [3] «الإخوان المسلمون» وخداعها واحتوائها، هذا كله في سياق غياب الإرادة للتحرك الفاعل للتعبير لدى قيادة الإخوان المسلمين آنذاك.
وقيادة هذا النظام ممثلة فيما سموه «مجلس قيادة الثورة»، وهي عبارة عن مجموعة علمانية في إطارها الفكري العام [4].
وسأعطي شاهدين على ذلك «من شواهد كثيرة»:
· قام رشاد مهنا «و هو إسلامي كان وصيًا على العرش» بتوجيه ضباط المدفعية إلى انقلاب لإسقاط النظام «يناير 1953» لكن الانقلاب فشل وزج بـ 35 ضابطًا في سجن الأجانب؛ حيث بدأ التعذيب «فهو سنة قديمة لهذا النظام»، وبعد أيام صدر الحكم بإعدام الضابط حسني الدمنهوري «خفف بعد ذلك»، وبالمؤبد على رشاد مهنا، وكانت تهمة الأخير «السعي لإعادة الخلافة»
· عندما تكلم كمال الدين حسين في مجلس قيادة الثورة عن الشريعة الإسلامية وتطبيقها، استغرب بقية المجلس – وعلى رأسه عبد الناصر– هذا الحديث جدًّا [5].
ويشكل عام 1954 عامًا حاسمًا في هوية هذا النظام واستقراره بعد صراعات على السلطة، سواء بين المجلس والقوى السياسية المختلفة «الأحزاب ثم الإخوان»، أو الصراع داخل المجلس نفسه مع محمد نجيب، والذي حسم لصالح عبد الناصر، فحسم النظام قضيتين أساسيتين وهما:
· رفض المرجعية الإسلامية للدولة.
· اعتماد الاستبداد منهجًا للحكم.
ويمكن على هذا توصيف النظام بكلمات قليلة، فهو نظام علماني استبدادي يسيطر عليه النخبة العسكرية، هذا النظام مر بثلاث مراحل:
· مرحلة صعود مع عبد الناصر حتى 1967.
· مرحلة تراجع وانكسار مع الحفاظ على استقرار النظام في 1967 حتى نهاية التسعينات.
· مرحلة تدهور وانحدار تمتد من التسعينات حتى 2011.
وهذا المنحنى الهابط للنظام واضح في حالة الفساد المالي والإداري (وبدايته منذ عهد عبد الناصر كما يروي البغدادي في مذكراته)، والترهل الذي أصاب الجهاز البيروقراطي للدولة، وتراجع مستوى الكفاءات القادرة على إدارة الدولة داخل النظام (أو بالأحرى القادرة على حسم صراعات السلطة)، فلم ينجحوا أبدًا في إدارة الدولة، والتراجع الحاد في قدرة النظام الأمنية والتي وضحت في:
· عدم القدرة على التنبؤ بثورة 25 يناير.
· الفشل في التعامل مع الثورة.
· التراجع في دور النظام إقليميًّا ودوليًّا حتى أصبح الآن تابعًا لقوى إقليمية والتي هي بدورها تابعة للقوى الغربية بعد أن كان النظام تابعًا للقوى الغربية مباشرة سواء الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة.
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا النظام كان على الدوام يتكون من أجنحة متصارعة، وكان هناك جناحان أثناء فترة عبد الناصر فيما يتعلق بالصلح مع إسرائيل: جناح مسيطر على رأسه عبد الناصر يرى الصلح مع إسرائيل، ولكن بعد تحقيق مستوى من القوة، فشل في إنجازها حتى مماته، وجناح يرى الذهاب إلى الصلح مباشرةً وهذا الجناح هو الذي انتصر في مايو 1971، وأيام مبارك كان هناك أجنحة أيضًا، ففي أواخر أيام مبارك كان هناك الحرس القديم وعلى رأسه طنطاوي وعمر سليمان، وجناح جمال مبارك ولجنة السياسات، وهذه الأجنحة داخل النظام على اختلاف المراحل لم تختلف على القيم الحاكمة للنظام نفسه، أو منهجه في الحكم، أو تكوين المؤسسات السلطوية، ولم تصل أبدًا في عنفوان صراعاتها إلى تقويض النظام، وإنما كانت تختلف على القيادة وطريقة العمل، كما أنها لم تختلف أبدًا على أولوية الجيش في النظام كطبقة حاكمة مسيطرة، والذي انتصر في الجناحين الأخيرين هو جناح الحرس القديم؛ لأنهم رفضوا وجود مدني في السلطة حتى ولو حافظ على هيكلة السلطة وأولوية الجيش فيها [6]، واستغلوا ثورة 25 يناير لتحقيق الحسم في هذه المعركة.
هذه الخلفية التاريخية عن نظام 23 يوليو 1952 ضرورية لفهم هوية النظام وثوابته وهيكلية السلطة داخله.
ولكن ما هو وضع هذا النظام عقب ثورة 25 يناير؟
هذا النظام فوجئ بثورة 25 يناير، وكان ينتفض (تمامًا كانتفاضة من أصيب بالحمى) وقيادة السلطة كانت قد فقدت لياقتها السياسية، ولذلك أدت سياساته الهوجاء في التعامل مع الثورة إلى إخفاقات، ولكن الجيش كان له رؤية أخرى، إذ كان الجيش يرى في الثورة فرصة للتخلص من سيناريو التوريث، وفي نفس الوقت وضعت رؤية لتقسيم الثوار وإضعافهم تدريجيًّا وإفقادهم الحاضنة الشعبية التي تكونت بعد سقوط مبارك، من خلال عزل الثورة (وفي القلب منها الإسلاميون) عن الجماهير، وإفشال أي سلطة ستنبثق عن الثورة من خلال أدوات النظام المختلفة، ثم الانقضاض عليها في النهاية والانقلاب عليها [7].
وهكذا حدث الانقلاب في 3-7-2013
وكان النظام في البدأ يناور لكي لا يدخل في تسوية مع الإسلاميين، وفي نفس الوقت يعزلهم عن الجماهير، بالمزيد من حملات التشويه الإعلامي، ولإعطاء الغطاء السياسي للخطوة الأخيرة وهي مذبحة رابعة، والتي اعتقد النظام أنه بإحداث الصدمة سيقضي على أي مقاومة له تمامًا، وهو ما ثبت خطؤه بعد ذلك.
وانتقل النظام بعد ذلك إلى رؤية جديدة لهزيمة الإسلاميين من خلال:
· التحييد: بمعنى أن يتم إخراج الإسلاميين تمامًا من المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، وإلجاؤهم أفرادًا أو جماعات إلى الانعزال عن المجتمع من خلال عمليات القتل والسحل والتعذيب والتضييق الاقتصادي حتى يصل الفرد الإسلامي إلى قناعة أنه لا بد أن يكون «في حاله».
· العزل: أي العزل عن الجماهير من خلال الحاضنة الشعبية التي كونها الانقلاب، والتي عمل من خلال عمليات التعبئة الإعلامية على دفعها لمحاصرة الإسلاميين اجتماعيًّا وإيذائهم بدنيًّا ونفسيًّا وماليًّا بل وحتى في أعراضهم، وتمت التعبئة باللعب على أوتار الخوف والعاطفة لدى الجماهير؛ مما يؤدي إلى حالة من الهياج المستمر والأعمال العدوانية والتصرفات اللا إنسانية ضد الإسلاميين، ثم طور هذه الاستيراتيجية لما لم تجدِ الخطوات السابقة بإضافة:
· الضربات الاستباقية: من خلال الاختراق الأمني الكثيف لجماعة الإخوان المسلمين والشباب المرتبط بها، مما أدى إلى نجاحه في إجهاض الحراك في الشارع وفي الجامعة.
رغم نجاح النظام في القضاء على الحراك الجماهيري إلا أنه خسر في جبهتين:
· خسر الحاضنة الشعبية التي كونها في سنة حكم الدكتور مرسي وأول سنتين للانقلاب.
· لم يستطع أبدًا أن يكسر إرادة الإسلاميين وأخذ اعتراف منهم بالقبول به أو بشرعيته «باستثناء النجاح الذي يدعو للمصالحة داخل الإخوان».
ولكي يتم لنا إدراك كامل للصورة لا بد من تناول المستوى الثاني للإجابة عن سؤالنا، ألا وهو الثورة، وما هي شروط حدوث الثورة؟
ما هي الثورة [8]؟
الثورة: هي تغيير سريع وعنيف وجذري في الأوضاع القائمة، فهي تغيير جذري لأنها تشمل جميع مناحي الحياة، وهو عنيف لأنه تغيير ضخم ويؤثر في مصالح قطاعات المرتبطين بالنظام القديم، وهو تغيير سريع لأن الثورة بطبيعتها نقل سريع، وليس متدرجًا يأخذ وقتًا ومن هنا يختلف عن مفهوم الإصلاح، والثورة لكي تحدث لا بد لها من وجود وضع ثوري أو بنية ثورية، حيث تتراكم عوامل مختلفة داخل المجتمع حتى تنقله من حالة الرضا عن النظام إلى حالة الغضب والتوتر وصولًا إلى حالة التفجر الثوري.
ويسبق التفجر الثوري داخل المجتمع فترة مليئة بالتوترات والتناقضات، وتتعدد سمات ومحددات مجتمع ما قبل الثورة ما بين محددات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ونفسية ودينية، بل إن للبيئة الخارجية لذلك المجتمع أهميتها القصوى باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في العمل الثوري.
يتبع
[1] – لست هنا بصدد تقييم ثورة عرابي، ولكن أتكلم عن تدخل العسكر في السياسة وأصوله التاريخية.
[2] – راجع ما كتبه المستشار طارق البشري في الحركة السياسية المصرية 1945م – 1952م.
[3] – راجع ما كتبه بكر مصباح «تطور النظام السياسي في مصر 1952م – 1976م» دكتوراه في السياسة من جامعة القاهرة 1979م صـ 224.
[4] – لا أقصد هنا كونهم مفكرين.
[5] – كما ذكر ذلك البغدادي في مذكراته.
[6] – هذه من ثوابت النظام التي لا يساوم ولا يقبل فيها نقاش ولا تراجع.
[7] – لن أتطرق هنا إلى تفاصيل ما حدث والأخطاء الاستيراتيجية التي حصلت، لأن ما يهمني في الحقيقة ما حدث بعد الانقلاب العسكري في 3-7-2013م.
[8] – لست هنا بصدد شرح علمي تفصيلي للثورة وشروط حدوثها فطبيعة المقالات تأبى ذلك، إنما حسبنا هنا الإيجاز ما استطعنا.
The post لا تيأسوا من روح الله appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست