الثلاثاء، 30 مايو 2017

ثقفني اون لاين : صناعة الفُرقَة

الحرب هي واحدة من سنن هذا الكون. منذ نشأة الحياة، اعتادت كل الحيوانات على الصراع المستمر. صراعهم كان لسبب واحد بسيط، وهو الصراع من أجل البقاء. تتعارك الحيوانات العاشبة على العشب، يأكل المفترس الفريسة ليعيش، ويتنافس الذكور لأجل الحصول على أنثى. لكن مع خلق الإنسان ظهرت أسباب أخرى للحرب. فلم يعد الدافع للصراع هو سد الحاجات، بل أصبح الاختلاف في الرأي سببًا، الاختلاف في العقيدة سببًا، السيطرة على موارد الغير، حتى لو لم تكن للمعتدي حاجة في تلك الموارد، سببًا، بل الحرب بهدف إفناء الغير، الحرب لمجرد الحرب سببًا.

رغم ذلك ظل هذا السؤال موضع حيرة بالنسبة لي، ما الذي من الممكن أن يتسبب في حرب أهلية؟ ما الذي من الممكن أن يجعل الجار يقتل جاره والأخ يقتل أخاه؟ ما الذي من الممكن أن يقلب الود والحب إلى عداوة؟

ازداد هذا السؤال إلحاحًا وترددًا في ذهني، مدفوعًا بخوفي من أن يطول مصر هذا الشر جراء ما يدور فيها من أحداث تتزايد وتيرتها وتنحدر وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وقد جدت، بعد تفكير، أن هناك أسبابًا كثيرة لمثل هذا الفعل الغريب، منها ما هو متعلق بهؤلاء الأفراد أنفسهم، ومنها ما هو متعلق بالواقع المحيط بهؤلاء الأشخاص. وفي رأيي لا يمكن أن تقوم حرب جماعية بين أفراد مجتمع واحد بسبب دوافع فردية، لا بد من موجه عام لتلك الدوافع حتى تتحول لحرب جماعية. فالدوافع الشخصية يمكن أن تتسبب في حالات فردية تزول سريعًا. أما الحروب الأهلية لا تقودها أو تسببها إلا أنظمة الحكم. في هذا المقال ذكرت أربعة أنواع للسياسات الحكومية التي تسفر عن حروب أهلية. وأرى أنه علينا الانتباه جيدًا لهذه السياسات والأسباب، حتى لا تجرنا الأيام لما ظللنا نستبعده طوال سنوات طوال، نستبعده فنقول «لا يمكن أن تحدث في مصر حروب أهلية أبدًا؛ فالشعب المصري ليس شعبًا طائفيًا»، هذه المقالة تؤكد أن الحرب الأهلية ممكنة جدًا في مصر وفي أي مكان مع الأسف. بل إن الأسباب الأربعة المذكورة في المقال، هناك ثلاثة منها تمارس بالفعل في مصر منذ زمن، والرابعة ليس مستبعدًا أن تحدث، لا قدر الله علينا هذا، في المستقبل.

فانحياز الحكومة لمجموعة من أفراد المجتمع وإهمال بقية المجتمع، هو أول أسباب الحروب الأهلية. فهذه السياسة الجائرة ينشأ عنها مجموعة قليلة من الأغنياء يمتلكون كل شيء، ومجموعة كبيرة من الفقراء لا يمتلكون حتى احتياجاتهم الأساسية. والحرب الأهلية الأخيرة في لبنان التي انتهت في بداية التسعينات هي مثال على هذا؛ فقد كانت سياسات الحكومة تشجع الطائفة المسيحية وتهمل المسلمين. مما أدى لتعاظم ثروات الطائفة المسيحية على حساب المسلمين.

هذه السياسة خلقت الضغائن والكراهية، وجعلت المجتمع حساسًا لأي دعوة للاشتباك. فالطائفة الغنية ترى دائمًا أن الطائفة الفقيرة تنقم عليها وتطمع في ثرواتها، ويدفعهم خوفهم على مكانتهم لتصديق أي شيء والتعامل بقوة مع أي فعل ترتكبه الطائفة الفقيرة، حتى ولو لم يكن مقصودًا. الطائفة الفقيرة تكره الطائفة الغنية وتراهم ظالمين سارقين لمواردهم، وتحاول إيجاد أي فرصة لتغيير ذلك الوضع والانقلاب عليه. مجتمع مثل هذا لا بد أن تنشأ فيه نزاعات طائفية. وإذا كانت القوى متكافئة بين الفريقين يتحول الأمر لحرب أهلية. وبالطبع لم يكن هذا الأمر، في رأيي، غير مقصود بل كانت لبنان تُدفع لهذه الحرب الأهلية التي أودت بحياة 120 ألف إنسان، كانت هناك قوى خارجية تساعدها قوى داخلية بقصد وبغير قصد للوصول لهذه النتيجة المأساوية، والتي ما تزال لبنان تعاني منها حتى الآن.

ثانيًا: اضطهاد الحكومة لطائفة معينة مع دعم الطوائف الأخرى لذلك الاضطهاد. بلفظ آخر، يشترط لتحول الاضطهاد لحرب أهلية أن يكون هناك تأييد من طوائف الشعب الأخرى لذلك الاضطهاد، حتى ترى الطائفة المضطهدة أن العداوة ليست بينها وبين الحكومة فقط، بل بين طوائف الشعب الأخرى أيضًا، فتبدأ مقاومتها ضد الجميع. وكثير من الحكومات الديكتاتورية تنهج ذلك النهج بأن تضطهد المعارضة، وتستخدم الإعلام لحشد العوام ضد هذه الفئة المعارضة. حتى لا تكون هي وحدها المستهدفة من مقاومة هذه الفئة المعارضة. ودعوى الإرهاب هي أشهر هذه الدعاوى؛ فالحكومات الديكتاتورية دائمًا تَصِم معارضيها بالإرهابين وتستخدم الإعلام لتشويه هؤلاء المعارضين، ونشر الخوف بين الناس منهم والتحريض ضدهم، حتى تظهرهم في مظهر مصاصي الدماء، وتظهر نفسها أمام العوام في مظهر الحامي لهم، لكنها في الواقع لا تهدف سوى لحماية مصالحها.

ينشأ عن هذا أن يرضى الجار بقتل جاره أو حبسه أو انتهاك حرمة بيته، بل التشجيع على ذلك. ويصبح من المعتاد في هذه الظروف أن يرشد الجار عن جاره ويتسبب في سجنه وتشريد أهله، لمجرد أنه معارض للحكومة، رغم تأكده من براءته. بل تجد السخرية من الجنائز والشماتة في أهلها. يرى الأخ الناس يسخرون من أخيه المقتول ويشمتون في قتله؛ فيولد ذلك نقمة وكرهًا ورغبة في الانتقام منهم جميعًا، وليس من قاتليه فقط.

والانتقام هو أسوأ شعور يمكن أن يحط بالإنسان؛ فهو يأكل قلب الباحث عن الانتقام قبل أن تتحول تلك الرغبة لنار تتأجج في نواحي المجتمع وتحرقه. فمن أجل الانتقام يمكن أن تُحرف كل المبادئ لتخدم هدف المنتقم، فالمنتقم يمكن أن يغلف رغبته هذه بغلاف ديني؛ فيقتل الناس لأنهم أعداء الله، ويمكن أن يغلفها بغلاف وطني فيقتلهم لأنهم أعداء للوطن. والواقع أنه لا يفعل هذا لا من أجل الله ولا من أجل الوطن، وإنما يفعله من أجل أن ينتقم، يفعله لأن نار الانتقام سودت قلبه فجعلته لا يشعر سوى بالكراهية، لأن نار الانتقام غلَّفت قلبه بطبقات وطبقات من غبار الغل والحقد والكدر.

وربما كان هذا الإنسان الذي امتلأ قلبه بهذا الشر في الماضي القريب فردًا صالحًا، يحب الناس ويحبونه، لكن الاضطهاد حوله لهذا الوحش. فمن يا ترى هو المسؤول الأول عن هذا؟ أهو هذا الفرد الذي غير الاضطهاد قلبه؟ أم هؤلاء الذين جعلوه هذا المجرم؟

النوع الثالث هو أن تهدف الحكومة أصلاً لإنشاء حرب أهلية فتغزي النزعات الطائفية، أو تنشئ هي نزعات طائفية لو لم تكن هناك نزعات طائفية. والحكومة هنا لا يشترط أن تكون قومية، بل ربما تكون حكومة احتلال تسير طبقًا لسياسة فرق تسد، فليس عجيبًا أن تجد مجتمعًا متماسكًا تمامًا متفقَا في كل نزعاته الدينية والعرقية، قد نشأت فيه حروب أهلية بعد احتلاله. والسياسة الأمريكية هي أفضل مثال على ذلك. فهي لا تدخل بلدًا حتى تتركه يعاني من حروب أهلية ونزاعات طائفية لم تكن موجودة قبل الاحتلال. والعراق وما يحدث فيها منذ اجتياحها من الجيش الأمريكي هو نتاج لتلك السياسات التفريقية.

النوع الأخير هو أن تهدف الحكومة لإنشاء نزاعات وفتن بحيث تكون تحت السيطرة ولا تتطور لحرب أهلية، وهذا النوع تنهجه الحكومات الديكتاتورية أو حتى الديمقراطية؛ لتشغل المجتمع بعضه ببعض، وتجعله ينسى مشاكله مع الحكومة وسياستها بالخوف من شريكه في المجتمع والتربص له. وأقرب مثال على ذلك هي سياسة حكومة مبارك في مصر. فقد كانت تغذي الفتنة الطائفية، لكن لا تسمح لها بالخروج عن السيطرة. ولكن المصيبة الأكبر في هذه السياسة، أنه في كثير من الأحيان تتراكم الضغائن الناشئة في ذلك العصر، لتتحول إلى حروب أهلية إذا أتت بعد ذلك البيئة المناسبة لهذا، ولم يكن النظام الموجود قادرًا على احتواء تلك النزعات الطائفية، أو كانت سياسته تغذيها بشكل زائد عن قدرته على احتوائها. وهذا ما نخشاه الآن، وما يحدث الآن من الإعلام من استخدام للاعتداءات المجرمة على المسيحيين لتأجيج نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين ينبئ بكارثة. وقد تطور الأمر هذه الأيام؛ فتحول من الهجوم على فئة موصومة بالإرهاب للهجوم على عموم المسلمين، بل للهجوم على الإسلام نفسه.

في الختام، اتضح مما ذكر أن الحروب الأهلية هي نتاج مباشر لسياسة الحكم. وأن الاختلافات الطائفية ليست هي السبب فيها، بل ربما تنشأ الحروب الأهلية في مجتمعات ليس فيها أي اختلافات إذا ما وجهت الحكومة سياستها لذلك الهدف بقصد أو بغير قصد .ومصر مع الأسف الشديد ليست استثناء أبدًا، لذا فنأمل أن يدرك المصريون ذلك قبل فوات الأوان،، فاختلافهم الفكري أو حتى العقائدي ليس أبدًا هو السبب فيما يحدث في مصر الآن. وأسأل الله أن يربط على قلب أسر كافة الضحايا من كافة الطوائف وينتقم من قاتليهم أو المعتدين عليهم.

The post صناعة الفُرقَة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست