ما يزال صدى الفظائع التي ذكرت في سطور تقرير دير شبيغل يدوي في الأذهان، ويروي جرائم ارتكبتها عناصر القوات العراقية باسم تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة وباسم مكافحة الإرهاب، تتبادر إلى الأذهان الأسئلة التي لا تلقى الأجوبة، كيف تُمسح السيئة بالأسوأ؟! وكيف تقضي على الأبرياء العزل وأنت الذي تصف نفسك بأنك قد جئتهم محررًا مخلصًا مزيلاً للإرهاب والظلم والجور؟! نعرض في هذا المقال مقتطفات من التقرير الذي أوضح حجم الجرائم التي تجري في ثنايا معركة الموصل.
ليسوا أبطالاً لكن وحوشًا
حمل التقرير هذا العنوان ليصف البطولات التي تتفاخر فيها القوات العراقية المدعومة من التحالف الدولي بدقة، تلك البطولات التي تحمل في طياتها البروباغندا الإعلامية التضخيمية، التي لا تتوانى عن إظهار القوات العراقية على أنها المنقذ والمحرر، في حين أن ممارساتها تنتهج النهج ذاته في الوحشية والطائفية الذي يتبعه تنظيم الدولة، وهو ما يتضح جليًا في التقرير الذي نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية.
التصفية بدافع الشك
حسب التقرير، فإن الصحفي الكردي علي أركادي شهد أول عملية تعذيب وإعدام في يوم 22 أكتوبر عام 2016، عندما اعتقلت قوات الرد السريع شابين في قاعدة القيارة جنوب الموصل، وقامت هذه القوات بتعذيبهم لعدة أيام، ومن ثم قاموا بإعدامهم، يقول الصحفي علي أركادي: «إنه أخذ إجازة وعاد إلى منزله، وبعدها ذهب إلى حمام العليل بتاريخ 11 نوفمبر عام 2016، ومنذ ذلك الحين حدثت أمور أكثر، تعذيب واغتصاب وقتل الناس لأجل الشك فقط، وأضاف الصحفي أن القوات الحكومية بعد أن سيطرت على قرية قبر العبد قرب حمام العليل قامت عناصر الاستخبارات باعتقال عدة أشخاص، من بينهم حارس لأحد المساجد في القرية؛ حيث أخذوه واستجوبوه وضربوه لعدة ساعات، وأطلقوا سراحه بعدها، والذي لاحقًا قد تم تعذيبه لفترة ثم قتله مع عدد آخر من المشتبه بهم».
استند التقرير إلى أقوال العديد من الجنود والضباط الذين رافقهم الصحفي الكردي، والذي وثق أيضًا العديد من الجرائم التي ارتكبتها القوات العراقية في الموصل، كما يظهر التقرير عمليات قتل للأبرياء العزل بدافع انتماء أحد أفراد عائلتهم لتنظيم الدولة، وهو ما يعكس حجم التصفية المذهبية التي يواجهها سكان المناطق التي تعيد القوات العراقية السيطرة عليها.
جرائم.. على ناظري القوات الأمريكية المساندة للقوات العراقية في معركة الموصل
ذكر التقرير أيضًا أن العديد من الجرائم والممارسات الطائفية ارتكبتها القوات العراقية بعلم القوات الأمريكية الموجودة هناك، والتي كانت تراقب المداهمات عن طريق الطائرات المسيرة.
وفقًا للتقرير في يوم 16 ديسمبر، وصلت قوة من الرد السريع إلى بازوايا، وكانوا قد حصلوا على بعض الأسماء من أحد المخبرين، لما قيل إنهم أشخاص قاتلوا مع تنظيم الدولة، يقول الصحفي الكردي: «وفي الليلة نفسها خرجت معهم في حملة مداهمة، والتي قاموا فيها بمداهمة أحد المنازل وأخرجوا رجلاَ قاموا بسحبه من غرفة النوم؛ حيث كان إلى جوار زوجته وأطفاله الثلاثة، أحد عناصر قوة الرد السريع دخل إلى الغرفة وقال إنه سيقوم باغتصاب المرأة، وأنا قد رافقت البقية لأرى ماذا سيفعلون بزوجها، بعد 5 دقائق شاهدت العنصر أمام الباب المفتوح وفي الداخل المرأة وهي تبكي؛ فسأله النقيب ماذا فعلت فأجاب «أنها حظيت بيومها»، قمت بتصوير المرأة وهي بداخل الغرفة وبين يديها أصغر أطفالها فنظرت إلي، ولكني كنت أصور بلا تفكير، وفي أثناء ذلك قام بقية الجنود بإخلاء المنزل وسرقوا ما استطاعوا حمله معهم».
وفي جريمة أخرى قد قامت بها القوات العراقية، وعندما عادت القوات إلى المقر سألهم المشرف الأمريكي عبر اللاسلكي ماذا فعلتم؛ فأجابه النقيب «كل شيء، لقد أخذنا رجالاً ونساء وقمنا بنهب المنازل»، فأجاب المشرف الأمريكي حسنًا أنتم تعرفون ما تفعلون، يقول الصحفي: «الأمريكان كانوا على دراية بكل ما يحدث».
هذا ما يقودنا إلى التفكير في أن ما تقوم به القوات العراقية تجاه الأبرياء العزل، هو عملية انتقام وتحفيز للجنود، لجعلهم يتناسون حجم الخسائر التي تقدر بالآلاف في صفوفهم، وحجم الاستنزاف العسكري والمالي الذي يعمل عليه تنظيم الدولة باستمرار في مواجهة القوات العراقية والتحالف الدولي.
التعذيب الممنهج
يقول الصحفي: «قوات الرد السريع قد قامت باعتقال العديد من الأشخاص من حمام العليل من بينهم أب وابنه البالغ من العمر 16 عامًا، وتم اقتيادهم إلى مقر العمليات، الأب قد تم تعليقه من يديه خلف رأسه وهو معصوب الأعين، وقاموا بضربه على ظهره، في حين كان ابنه في الغرفة المجاورة يستمع إلى صراخ أبيه، وكنت هناك وقمت بالتصوير ولم يحاولوا منعي، وبعدها قد قاموا بضرب الابن أمام أعين أبيه، ثم قاموا بقتله، لاحقًا أصبحت الأمور خارج السيطرة أكثر فأكثر، وكنت أفكر وأقول كيف استطعت الوصول إلى هنا؟ لماذا يجعلونني أصورهم وهم يعذبون الناس؟ كيف يكون هذا وثائقيًا عن التحرير من «داعش»؟ لكنهم لا يفكرون مثل الصحفيين، بالنسبة لهم أصبح هذا الشيء أمرًا عاديًا»، ويختم الصحفي كلامه قائلاً: «الآن عرفت كيف استطاعت «داعش» السيطرة على الموصل وغيرها من المناطق السُنية بسهولة».
إن المستفيد الأول والأخير من الجرائم التي يتعرض لها المكون السني في الموصل، هو تنظيم الدولة، وذلك ما يقوده إلى تعزيز فكرة الثأر والانتقام التي جاء بها عند سيطرته على المناطق السنية في العراق، وما يصنع له حاضنة شعبية ممن ذاقوا ويلات الظلم والجور والطائفية.
التوحش يولد التوحش
لم يحمل التقرير إلا الواقع على الأرض، والذي يتجاهله الكثير إما تعصبًا وإما خوفًا من نيل تهمة التعاطف مع تنظيم الدولة، مع أنه الواجب على من يذكر دموية ووحشية تنظيم الدولة ألا ينسى أهم العوامل التي ساعدت في تفاقم هذا التوحش، ألا وهي الطائفية الحكومية والاحتلال الأمريكي للعراق.
إن الفكرة الأساسية التي قام عليها التنظيم، هي الفكرة المسماة بـ «إدارة التوحش»، تلك الفكرة تقوم أساسًا على إنشاء إدارات ذاتية في المناطق التي تتعرض إلى التوحش والحروب والفوضى، تلك الإدارات تقوم بدورها على تأمين الحماية للسكان – وفق زعمهم – وإدارة شؤون مناطق الفوضى تلك، وتعمل أيضًا على تطبيق الشريعة فيها ونشر أيديولوجية التنظيم، بالإضافة إلى استقطاب أكبر عدد من سكان تلك المناطق إلى صفوفه، كل ذلك في سبيل الوصول إلى الدولة الموعودة، وهو ما استطاع التنظيم الوصول إليه في السنوات الماضية وتحقيقه، وهذه الفكرة وحدها تجعل التنظيم قادرًا على الانبعاث مرة تلو الأخرى في أي منطقة تستشري فيها الفوضى والتوحش والظلم، وما أنتج هذه الفوضى في الأصل هو الغزو الأمريكي للعراق والتدخلات التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية باستمرار، بالإضافة إلى التوغل الإيراني فيها.
The post تقرير دير شبيغل.. هل التوحش يعالج التوحش؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست