4– بين الصورة والمعنى
ب- معنى الإحسان
من وراء ربع المتر القماش، لا داعِ لابتسامة نفاق، ولا لابتسامة باهتة صفراء، كأنكِ تبذلينها أداء لواجب أو تتصدقين بها على مَن لا يستحق، لكِ أن تعبسي إن جاءكِ أعمى أو مُبصِر، فكلاهما لن يراكِ، لكن ما أن تدركي تلك الحقيقة «المُخِيفَة» بأن لا أحد يراكِ هذه اللحظة إلا خالقك، حتى تدفع شفتيكِ معاني الإحسان دفعًا، لترسم عليهما ابتسامة ليست كمثيلاتها قطّ، لا يهمّ حينها إن كان يراكِ أحدهم أو لا، لن ترى بائعةُ المناديل ابتسامتك أو عبوسك، ولن يميّز ذلك أيضًا العجوز الباحث عن عنوان كُتِب على قصاصة صفراء أرهقت عينيكِ لتميزي ما خُطَّ عليها، لكِ الخيار حينها، إما إحسان وإما لا إحسان، وهو ناظرك شاهدك سامعك!
لا أذكر أن شيئًا أحيا داخلي معنى الإحسان وجدّده أكثر من نقابي الذي عَرَفت، ذلك الخفاء الذي أتحرك داخله قبل أن أتحرك وسط الناس من حولي، ليذكّرني دومًا بألا ثالث لنا إلا الله الذي يرانا ولا نراه.
ج- حفظ اللسان العربيّ
من وراء نقابي تعلمت أنه مَن لا يفهم لغة العين ليس جديرًا بفهم لغة الكلمات في الغالب.
من كان يُحسِن فهمي قبله ما زال يحسنه اليوم، ولا أشعر بافتقاد من يسيء فهمي، فلا علاقة لنقابي بهذا، ما زلتُ مبهِجَةً كما يقولون، وما زال يداعبني الأطفال في عربات القطار والمواصلات العامة، هذا بالنسبة لمحارمي والنساء والأطفال.
أما من زاوية أخرى، فقد فزتُ بمعلّم خاص للغة العربية يصحبني أينما كنت، يصبر عليّ بغير سأم أو ضجر، لا يبخل عليّ بعلمه وتوجيهاته اليومية، هو أيضًا ربع المتر القماش!
علّمني نقابي كيف أعبّر بكلماتٍ أوضح من ذي قبل عن كل نوع من المشاعر داخلي، وكيف أسكّن كل لفظة موضعها الملائم، فلا قسمات وجه أرسم عليها استحسانًا ولا امتعاضًا ولا اندهاشًا ولا استفهامًا ولا امتنانًا ولا رجاءً لأستعيض بها عن الكَلِمَة، وأذكر أن أحد أساتذتي لاحظ تحسّنًا في تعبيري يومًا بعد ارتداء النقاب، حتى إنه اندهش من اختياري بعض الكلمات والأوصاف بدقة ملحوظة، وأنهيت لقائي به دون أن أضع يدي على سبب هذا التطور، لكن بعد تفكير وجدت من أقوى أسبابه عَون النقاب لي؛ إذ جعل الكلمة هي جسر الصلة الوحيد بيني وبين كثيرين، فلا مفرّ من تدعيمه وترميم مواضع ضعفه والانتباه له بيقظة.
وهكذا جاء النقاب ليعينني على حُسن استخدام لغة العَين وإحياء معنى حفظ لساني العربيّ!
د- البقاء للأقوى!
لما سلف من الحديث عن المعنى في مقابل الصورة، تبيّنتُ أنَّ البقاء للأقوى من بينهما، وأنّ صورةً خاليةً من المعنى ميتة، تدبّ فيها الحياة مع أول معنى من ورائها، وتسترد عافيتها مع ثاني معنى، وتصبح مفعمة بالحيوية مع الثالث والرابع والخامس.
لذا فإن كان وراء الصورة ولو معنى وحيد فهو حتمًا – في رأيي- الأقوى، وهو حتمًا الأبقى حتى من صورته.
لذلك لم يزعجني كثيرًا الحديث حول طرح منع النقاب في المؤسسات الحكومية في مصر مؤخرًا، بالعكس، يكاد يكون هذا الحديث قد استجلب في نفسي كل المعاني حول النقاب استجلابًا، ما ذكرتُ منها وما لم أذكُر، ما نسيت منها وما فتر وما بَعُدَ، الأمر الذي طمأنني وأسعد قلبي، فإن منعوا بقانون صورة النقاب التي تزعجهم، أنّى لهم بقانون يمنع مئات المعاني التي أنارت نفوسًا وأحيت قلوبًا من وراء هذه الصورة؟!
وجدتها حيلة مضحكة لا تستحق حتى الالتفات إليها، فالأمر – على مستوى الفرد- يتعدّى تلك الصورة إلى كثيرٍ لا يملكونه كي يملكوا منعه، وهذا من جميل صُنع الله لنا وتدبيره أمرنا ولو كره الكارهون، أما على مستوى المجتمع فللأمر زوايا أخرى من غير المناسب التطرّق لها في هذا المقام.
والشاهد، فإن مَن تريد أن ترى في نقابها «ربع متر قماش» فحَسب، لن ترى إلا ما أرادت، ومَن تريد أن ترى في نقابها نافذةً جديدةً تطل منها على عوالِم مليئة بالألوان والحركة والمتعة، الواعية المسئولة، سترى هذا أيضًا، شأنه شأن كل ما في الحياة، الحياة الزاخمة بالصور، الشحيحة في المنتبهين للمعاني من وراء هذه الصور.
5- إلى «رُبع المتر القماش»:
ختامًا، إليكَ في ذكرى اجتماعنا الأولى، أحببتكَ بشدّة، لا أزعم أنني أحببتكَ كما لم يحبك أحد قَطّ، لكن أدّعي أنني أحببتكَ كما لم أحب معنًى قَطّ، حبًّا منعني الكتابة والتعبير عنك قبل مرور اثني عشر شهرًا من تدفق الخواطر وتزاحم المعاني في صُحبتِكَ الماتِعَة، لأنك عزيز ثريّ أبيّ، أيا بئر من المعاني لا ينضب، ما عهدتك إلا كريمًا جوّادًا، فزِدني رِيًّا ولا تبخل.
«تمّ»
The post «ربع متر قماش».. نقابي الذي عرفت (4) appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست