الصفحات

السبت، 1 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : الثورة مستمرة بإعلان وفاتها! 

الشعارات لها قدرة تعبوية هائلة، ولكنها بلا أدنى قيمة تفسيرية أو عملية على الإطلاق، إنها تثير الحماسة أثناء المعارك، وتشعل الوجدان وتلهب العاطفة، لكن معركة بلا تخطيط محكم، وأسلحة متكافئة لن تغير من النتيجة المحتومة، فكل ما سيتغير أن تكون الهزيمة بطعم الانتصار!

وسنتقبل تلك الهزيمة ونوجد لها عشرات المبررات، سواء كانت دينية، سردية الابتلاء والنصر القريب! أو تحريضية من منطلق المؤامرة والخيانة، ولولا المؤامرة التى حيكت، لكنا ولفعلنا…إلخ.

الثورة مثلها مثل المشروع، وهي بالفعل مشروع سياسي، وأي مشروع له خمس مراحل: مرحلة الشروع، فالتخطيط، فالتنفيذ، فالإنهاء عند الوصول إلى الهدف المرغوب والمعد له سلفًا. وطوال تلك الرحلة هناك عملية رقابة وتحكم، تقرأ الأوضاع والمستجدات والمعطيات، ثم تتدخل، إما بالتسريع من الإجراءات، أو بتعديل المسارات، أو بإيقاف العجلات، وما شابه، حسبما يصب الأمر في صالح المشروع ككل.

ومن المُسَلَم به أننا لم نكن نمتلك لا أدبيات نظرية معرفية تتعلق بالثورات، ولا خبرات عملية يمكن الاعتماد عليها في ذلك الشأن، ولكننا ألقينا أنفسنا في البحر تاركين الأمواج تقودنا حيثما شاءت، داعين الله أن ترسو بنا على شاطئ الأمان!

لا عيب ولا ضرر على الإطلاق أن تفشل مساعينا التي كانت نبيلة من عيش، وحرية، وعدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية، ولا يعني ذلك أن نفقد الأمل، كما لا يعني التمسك بالأمل أن نتمسك بنفس المسار الذي يتضح لنا أنه لن يوصلنا لوجهتنا، فتلك حماقة، وليس وفاء.

فالتمسك بمقصد نبيل مع التيقن باستحالة الوصول إليه نهايته، إما العدمية والكفر بكل ما هو نبيل، أو فقدان الأمل واليأس بإمكان تطبيقه، أو بالسعي للوصول إلى ذلك المقصد النبيل بأية وسيلة مهما كانت خسيسة! وذلك أخطر ما في الأمر «فإن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل. فكيف يمكن لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة خسيسة؟ بل كيف يهتدي إلى استخدام هذه الوسيلة؟! حين نخوض إلى الشاطئ بركة من الوحل لابد أن نصل إلى الشاطئ ملوّثين، إن أوحال الطريق ستترك آثارها على أقدامنا، وعلى مواضع هذه الأقدام، كذلك الحال حين نستخدم وسيلة خسيسة، إن الدنس سيعلق بأرواحنا، وسيترك آثاره في هذه الأرواح، وفي الغاية التي وصلنا إليها» سيد قطب.

والتعامل مع الثورة بحسبها سردية تتجاوز الزمان والمكان هو من قبيل السفه الذي لا يصلح فى العمل السياسي، فالشعراء والأدباء ومؤلفو القصص الخيالية لا علاقة لهم بالسياسية، فالسياسية هى فن الممكن، وليست إمكانية الفن! فمن يرغب أن يتفنن؛ فمجالات الأدب مفتوحه له على مصراعيها.

ولكل مشروع تكلفته التي لا ينبغي له أن يتجاوزها، وكان لابد من تحديد التكلفة التى يمكن دفعها منذ البداية، فنحن عندما نتكلم عن مشروع اقتصادي، فإن التكلفة عادة ما تكون مادية، أما المشاريع السياسية الاجتماعية فإن تكاليفها بشرية!

واستنزاف الموارد المادية وان كان غير مقبول، فإن الأولى هو الحفاظ على الموارد البشرية التى يعد نفاذها غير معقول، ومن أعجب العجائب أنه بالرغم مما منيت به الثورة من ضربات قاسمة، فإنه لم تخرج علينا أية مراجعة علمية رصينة واحدة!

وإن كنا تكلمنا عن التكلفة، فلابد وأن نتكلم عن عامل آخر شديد الأهمية، وهو الزمن، فلا يوجد نضال ملحمي أسطوري يمتد إلى أبد الآبدين، وتلك السردية التي تتحدث عن صراع الحق والباطل الذي سيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تعتبر أيضا من قبيل الخطابات التعبوية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، والتي ليست لها أية قيمة تفسيرية تُذكر، ولا قيمة عملية تنفع، ففي السياسة أعداء الأمس هم حلفاء اليوم وحلفاء الأمس هم أعداء اليوم!

وأولئك المزايدون في واقع الأمر ليسوا إلا نوعين من البشر، نوع يستفيد بشكل مباشر من تأزم الأوضاع، وهم ممن يجنون أموالهم على جثث الآخرين، فهم رواد رأسمالية الكوارث! ونوع آخر من المجاهدين الذين يجاهدون حتى آخر قطرة دم من دماء الآخرين!

فأية قراءة عقلانية للأوضاع الحالية من أزمة اقتصادية كاسحة، وسيطرة أمنية خانقة، وانقسام في الصف الثورى، فضلًا عن تغيرات إقليمية ودولية ليست في صالح الثورة، إضافة لعوامل متراكمة لم تعالج أصلا من جهل، وفقر، ومرض، وتفكك مجتمعي، وانحلال أخلاقي…إلخ، ناهيك عن مشكلة الأفكار في عالمنا العربي والإسلامي، والتي تعود جذورها لعشرات، إن لم يكن مئات، السنين!

ونحن عندما نعلن إغلاق مشروع ثوري سياسي لا يعني ـ على الإطلاق ـ التخلي عن الثورة كفكرة تحتاج لمزيد من الدراسة ومزيد من التخطيط والاستفادة من الخبرات من أجل دقة في التنفيذ، ولا التخلي عنها في وجداننا الذي يحتاج مزيدًا من الإيمان بها، والذي لا يتأتى إلا بمزيد من الجهد والإنجاز، وهنا يحدث التكامل بين الفكرة والمشاعر والسلوك.

فما نحتاجه الآن هو الروح الثورية التي ينبغي لها أن تسري في جسد جديد، بخلاف ذلك الجسد المتهالك الذي أعياه المرض، وأقعده، وأصبحت أعضاؤه عاجزة، اللهم إلا لسانه الذي صم آذاننا بعباراته الديماغوجية الرنانة التي لا تخلو من ابتذال وانفصال عن الواقع الذي يتغير بسرعة.

ذلك الجسد الذي لا يرتقي إلا إذا ما تحققت عناصر الوحدة بداخله أولًا، على حد وصف جولز ميشيليه، (نقلًا عن مريم وحيد)، أو كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

فإن كان الجسد الثورى يشهد انقسامات بينية لا تتوقف على التيارات المتعارضة أيديولوجيًا، وإنما داخل الأيديولجيا الواحدة ذاتها! ذلك الجسد الذي يشتكي منه كل عضو على حدة، دون أن يتداعى له سائر الجسد، لا بالسهر، ولا بالحمى! مما يعني وجود مشكلة حقيقية في المودة والرحمة، والشيء بالشيء يذكر، فلننظر إلى الأسرة، وهي الوحدة الاساسية لأي مجتمع، فهل نرى فيها مودة ورحمة كما وعد الله تعالى أم بخلاف ذلك؟!

فلا يمكن اعتبار كل تلك الأعراض، وغيرها الكثير مما لا يتسع له المقام، إلا كالصداع الذي يصيب الرأس لينبهنا إلى وجود خلل ومرض خطير يحتاج لعلاج فورًا، وربما تدخل جراحي عاجل، ولا يتم ذلك قبل إجراء الأشعة والتحاليل وهو ما نحتاجه فلابد من عقد مراجعات علمية جادة ورصينة، وألا تتم هذه المراجعات بشكل فردي، بل بشكل جماعي، ويقوم بها متخصصون، وليس هواة للكشف عن الأمراض التي تنخر في جسد الأمة، والبحث عن علاج لها وحلول وبدائل.

وينبغى الاحتراز من أمرين دائمًا ما نسقط في كليهما، فتارة ندفن رؤسنا في الرمال، ونكتفي بعلو الصوت أننا بخير، وما يثار من أمراض ليس إلا شائعات وأكاذيب! أو نعترف بالمرض، ولكن نقفز سريعًا، وباختزال مخل إلى الحل الوحيد الشامل، والذي أيضا يقدم بطريقة دعائية لا قيمة علمية يعول عيلها، ولا قيمة عمليه تُرتجى منها! فيظل جسد الأمة يعاني، وتظل الأمور على ما هي عليه.

والله أعلم 

The post الثورة مستمرة بإعلان وفاتها!  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست