السبت، 1 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : جدي لم يمت!

فكرت بأنني أريد أن أشارك شيئًا ما مع الناس، تنافس ثُلة من أبطالي الخياليين في عقلي كل منهم يعلن أنه أولى بالحكي من أخيه ولكن وسط كل هذا الصراخ الذي يملأ عقلي وجدت ضالتي وأنا استمع إلى مطلع أغنية «أنت عمري» لأم كلثوم

لم أكتب عن بطل خيالي ولدي بطل حقيقي أولى بالحكي عنه؟!

الرجل الذي لم يمنحه الله الفرصة أن يرى صغيرته تخطو أولى خطواتها تجاه حلمها، ولم يمنحني الله فرصة أن أشير إليه في يوم من الأيام لأقول له لقد فعلتها ها أنا قد فعلتها!

لطالما كرهت «أم كلثوم» وأغانيها التي تبعث في نفسي الملل والفتور، ولكن أغنية واحدة حفرت طريقها إلى قلبي ولم أعرف السبب، بينما كنت أسير عائدة من عملي إذا بي أتذكر السبب فجأة وفتح هذا التذكر بابًا من الذكريات في عقلي، أحب هذه الأغنية لأنها كانت نغمة هاتف جدي -رحمه الله -.

كان جدي دائمًا ما يغفو فاغرًا فاه وكنت أمد إصبعي لأغلق فمه ظنًا مني أنه سيرتاح أكثر مجددًا ولكن فكيه لا يلبثا أن ينفتحا مجددًا، أمد إصبعي ثانية فإذا به يفاجئني محاولًا قضم إصبعي فنضحك سويًا كل مرة على تلك الحركة بلا ملل.

توقفت عن ذلك منذ أن اشترى جدي هاتفه الملون، الهاتف الملون الأول الذي أراه به ألعاب جديدة ومختلفة عن لعبة الثعبان التقليدية، فكنت أنتظر جدي لينام وينفتح فمه في إشارة لاستغراقه في النوم وأختلس هاتفه وأبدأ اللعب فيفزعني لحن عبد الوهاب ويستيقظ جدي مكتشفًا سرقتي لهاتفه أثناء نومه، فينظر إلي مؤنبًا فأنظر له معتذرة فيضحك وينتهي الخصام اللحظي قبل  أن يبدأ.

كان جدي داعمي الأكبر،  أكثر من يؤمن بي بلا سبب وأكثر من يشجعني على فعل أي شيء أريد فعله، يُسهل علي الكثير من الأمور ويقف أمام كل شخص يريد إحزاني، من يستطيع إيذائي وأنا مدللته؟!

عندما كنت في الثالثة أو الرابعة عشرة من عمري كنت قد بدأت بالاشتراك في أنشطة مكتبة الإسكندرية وانغمست فيها حتى أذناي، لأنني شعرت أنني وجدت ذاتي ولذلك وجدت اسمي في قائمة المكرمين في حفل آخر العام.

لم يتحمس أهل البيت كثيرًا، أذكر أن أمي تحمست لحماسي وأبي لم يهمه الأمر، ولكن جدي كان متحمسًا أكثر مني.

أذكر أننا قضينا الليلة التي تسبق الحفل نفكر ماذا سأرتدي وماذا سيرتدي، أختار له ربطة عنقه التي أحبها ويخبرني هو عن البدلة التي سيرتديها وأنه سيخبر خالي لكي يأتي ويأخذنا جميعًا إلى الحفل لأن ابنته ستكرم اليوم، كان شيئًا صغيرًا جدًا تافهًا جدًا ولكننا ضخمناه وكبرناه في أعيننا، كان أول إنجازات حياتي وكان شيئا حماسيًا ومثيرًا جدًا بالنسبة لنا.

ولكن عندما استيقظت في الصباح لم أذهب إلى الحفل، بل ذهبت إلى بيته لألقي نظرة أخيرة على جسده الملفوف بالبياض وتملكتني حالة صدمة لا تزال تتملكني حتى الآن، جدي لم يمت! أومن أنه لم يمت ولدي دليل.

عندما كنت أبتعد كثيرًا عن الطريق، ليس الطريق الذي رسمته لنفسي فحسب بل الطريق المستقيم أيضا،عندما كنت أخطئ في أشياء كثيرة ولا أحد يعلم عني شيئًا أخبرتني إحدى صديقات أمي بأنها حلمت بجدي يوصي أمي بأن تنتبه لي!

عندها توقفت فورًا وعدت إلى صوابي، انظروا حتى بعد موته يعتني بي، يرعاني وهو بعيد جدًا عن هذا العالم!

فاستوصت أمي بي وتواصيت بها حتى صرنا أكثر من الأصدقاء المقربين، وكأن الفجوة الزمنية التي بين عالمينا تقلصت أو اختفت وتقاربنا في عالم واحد.

أحب أمي جدًا، أكثر من أي شيء آخر، وأصبحت أدرك مؤخرًا أنني أحبها حبان، حب لأنها أمي والحب الآخر لأنها ابنته!

أومن بأن الموتى لا يرحلون تمامًا، شيء ما يبقيهم معلقين بعالمنا، إما حبنا لهم وإما حبهم لنا،أومن بأن جدي هنا، عيناه دامعة مثلي، أومن على الأقل أنه في قلبي.

جدي لم يمت!

The post جدي لم يمت! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست