منذ قيام ثورة يوليو 1952، وهناك مصطلح مرعب تستخدمه القيادة المصرية، ألا وهو «المؤامرة»، تلك المؤامرة التي تحاك دائمًا ضد الدولة المصرية، هذه المؤامرة التي لم يستطع واحد من خبراء السياسة أن يشرح لنا أبعادها، أو حتى يعرف لنا من هو الطرف الآخر لهذه المؤامرة، هذه المؤامرة التي أعطت الحق للقيادة في مصر أن تستبعد كل من يقف في طريقها، وكل من يحاول أن ينتقد يكون له مصير غير معلوم، أو يكتب اسمه على جدران زنزانته ومقر إقامته الدائم حتى قبل القدوم إليها، وأصبح كل من يمتلك رأيًا مغايرًا، أو يختلف مع القيادة المصرية يكون مصيره غير معلوم، وبمرور الأيام والسنين ظهرت عيوب وخطورة سياسات القمع والتهميش، هذه السياسات التي قتلت كل فكرة كان من الممكن أن تدفع المسيرة إلى الأمام، وتضع هذه الدولة في مصاف الدول التي تحقق مستوى رفاهية لشعوبها، وقدرًا من الإنسانية وحقوق المواطنة، وكان النظام السياسي حقيقة يمتلك من القدرة على تحويل دفة الأمور إلى صالحه، وجعل الرأي العام دائمًا في صفه، وإقناع الجميع بأن كل من يمتلك رأيًا مغايرًا لرأي القيادة فهو عدو لئيم يحاول تنفيذ دوره في مؤامرة عالمية، هدفها المساس بحقوق الدولة المصرية وسيادتها، ونرى وعلى مدار عقود كثيرة امتدت إلى العقد السادس أن المؤامرة ما زالت موجودة، وأن العدو ما زال متخفيًا، والغريب أنه لا أحد يستطيع حتى تعريف العدو، والجميع يكتفي بقول كلمة عدو، حتى خبراء السياسة وفطاحلها لم يمتلكوا يومًا تعريفـًا محددًا للمتآمر أو حتى أبعاد هذه المؤامرة ومن يقودها، وبعد مرور كل هذه السنوات وحدثت معجزة التقنية الحديثة وظهور الشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، وتطور وسائل الاتصال، وعجز الدولة بالطبع على كبح طوفان الاتصال بالعالم الخارجي، ظهرت الحقائق وتعلم الشعب الذي كانت تصر الإدارة على إغراقه في بحور الجهل، وعلمنا جميعًا أن هناك عالمًا آخر يعيش حياة مختلفة يتعلم ليتقدم، تعلمنا أن هناك دولًا وحكومات تعمل من أجل شعوبها، تعلمنا أن هناك ما يسمى بحرية الرأي والتعبير، وأن هناك اتصالًا بين إدارات هذه الدول وبين أصحاب الفكر المختلف «المعارضة» ليتم الاستفادة من مقترحاتهم وآرائهم بهدف تقدم الدولة والتنمية، وتعلمنا أن التعليم ليس منحة أو هبة من الدولة للشعب، ولكن الدولة هي من تسعى وتقدم كل جهد للنهوض بمستوى التعليم لشبابها حتى يعود هذا بالنفع على الدولة من خلال التطوير الدائم لكافة مواردها؛ وذلك لأنها تمتلك من المتعلمين من يستطيع تقديم هذه الخدمة للدولة والشعب، تعلمنا أن الدول تحافظ على صحة مواطنيها لإيمانها بأن المواطنين هم الثروة الحقيقية للدولة، تعلمنا أشياء كثيرة أدت إلى أن ينتفض الشعب مقدمًا ثورة على التهميش وضياع الحقوق وانعدام رؤية للمستقبل «ثورة يناير 2011» التي قابلها النظام والإدارة بكل قوة، مخلفـًا وراء هذا كثيرًا من الضحايا والشهداء ممن أرادوا الخروج من الفقر وسوء الإدارة إلى محاولة توفير بعض الحياة لهم ولأسرهم، ولأن النظام متمكن، ولأن النظام يمتلك الشارع، ولأن النظام يجيد اللعبة استطاع أن يعود إلى موقع القيادة من جديد في أقل من عام، وأن تعود الأمور كما هي، وأن تعود مصر إلى السابق، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن ثورة يناير لم تحدث، وكأن من ماتوا ليسوا بمصريين، واستمرارًا لمسلسل الهبوط وسوء الإدارة، حاول النظام أن يقدم ولو أي شيء في سبيل تحقيق قدر من الرضى في الشارع المصري، وقدم بعض الإصلاحات الاقتصادية، التي نزلت على الشعب المصرى كأنها قنبلة هيروشيما على اليابان؛ لتصيب الأسواق موجة من الجنون وعدم الاستقرار والتخبط، وأصبح ما يباع بجنيه يباع الآن بعشرة جنيهات، وأصبحت السلع والخدمات ليست في متناول الجميع، لتعود الحياة كما كانت، ويعود الفقر ليعم ويعصف بحياة المصريين، وكأن هذا الشعب قد كتب عليه أن يعيش فقيرًا، وكأن هذا النظام لا يستطيع أن يعمل إلا عندما يكون الشعب فقيرًا، وبالطبع المرادف للفقر هو الجهل وعدم قدرة الأهالي على تحمل نفقات التعليم لأبنائهم، وهكذا بات الأمر في مصر غير معلوم، إصرار من هذا النظام وهذه الإدارة على إفقار الشعب، وكأن مفهوم الرفاهية للشعب غير وارد في لائحة هذا النظام للحكم، أربعة وستون عام، هي مدة حكم هذا النظام لمصر ستة عقود ونصف وما زال المواطن فقيرًا جاهلًا مريضًا، السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسأله النظام لنفسه ماذا قدمتم لمصر خلال هذه الستة عقود المتشحة بالسواد على مصر والمصريين، انهارت الزراعة وتقلصت مساحة الرقعة الزراعية، فشل في منظومة التعليم، منظومة الصحة والعلاج، ولا نملك تعليقـًا مناسبًا على ما وصلت إليه، ومشكلة مياه ويجري نهر النيل في أراضينا، بطالة وفقر، أين هي مصر منذ ستة عقود إلى الآن؟ ماذا قدمتم إلى الشعب والدولة غير الفقر والجهل؟
وعندما تحدث مواطنًا يقود آلة عجيبة «توك توك» ارتبك النظام وقوته الناعمة لدرجة أن رئيس الوزراء أرسل في طلب هذا المواطن، وتفرغت أجهزة الدولة لرحلة البحث عن المواطن «سائق التوك توك»، حتى يظهر على شاشات التليفزيون مغيرًا كل ما قاله، محاولة من النظام لإسقاطه اجتماعيًا، كيف لنظام أن يسامح نفسه على مجزرة المعادي وقتل خمسة مواطنين وتصفيتهم أمام أعين المواطنين بحجة أنهم من قتلوا المواطن الإيطالى جوليو رجيني ليكتشف العالم ونحن معه أن هذا كذب وتلفيق، وأن أرواح هؤلاء المواطنين بلا ثمن.
ماذا قدم هذا النظام إلى الشعب سوى ترليونات الدولارات ديونًا عاجز هو ذاته عن دفع فوائدها، ملايين المصريين يعيشون بلا أمل في وطن فرض عليهم وكتب عليهم القدر أن يكونوا مصريين، نظام ما زال يوهمنا بأن حضارة سبعة آلاف عام تسري في دمائنا ونحن لا نستطيع أن نصنع شيئًا، نظام باهت لا يستطيع الحكم والإدارة ومع هذا ما زال متمسكـًا بالحكم على أشلاء دولة – نظام فشل في أن يتطور ليبرر هذا بفشل من سبقوه في النظام نفسه، للأسف كل من يخرج من رحم هذا النظام يسير على الخطى نفسها، ولا يختلف التالي عن السابق؛ فكلهم يسعون لمصلحتهم دون مصلحة الدولة والشعب، نظام غابت عنه العدالة فأصبح غير قادر على تقديم شيء غير الظلم، نظام غير قادر على توفير أساسيات السلع والخدمات للمواطنين -خاصة الفقراء منهم- نظام يجبر مواطنيه على الذل والقهر ويرمي لهم كسرات الفتات، نظام غير قادر على توفير الغذاء للشعب فكيف يكون حاكمًا، نظام غير قادر على توفير التعليم الجيد لأبناء الوطن، نظام غير قادر على توفير علاج للمواطنين، نظام يعج بالفساد والفاسدين، نظام يتنازل عن أراضيه، نظام يتجاهل العالم ليحافظ على وجوده فقط، علينا جميعًا أن نتوقف عن التصفيق للباطل، إن العقد الاجتماعي بين الشعب وبين النظام الحاكم هو توفير حياة كريمة وتحقيق الرفاهية للمواطن في مقابل الحكم؛ فإن لم تتحقق هذه المعادلة وجب على أحد الطرفين أن يتنازل.
تحياتي
The post مصر.. توقف عن التصفيق للباطل؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست