مازالت الأساطير الإغريقية تطل برأسها حتى يومنا هذا، تُرشدنا برموزها وتَفكُ طلاسمها الحوادث والأيام وما يتفاعل بين البشر وداخلهم، ولا توجد أسطورة أكثر شهرة من أسطورة (نرجس) الذي هام حبًا بانعكاس صورته على صفحه الماء، وكلما اقترب منها تلاشت وتشظت منه.
في البدء كانت الفتاة
الفتاة كانت تدعى إيكو (الصدي)، من يكلمها كان ينسى نفسه معها، لكنها أغضبت الآلهة نيمسيس (يمكن أن تترجم لـ(العدو اللدود)، وهي أيضًا آلهة العدالة الجزائية والعقابية) فعاقبتها بأن جعلت اسمها حياتها، لن تستطيع إيكو الآن أن تبدأ الكلام مع أي كان، لعنتها هي أن تردد آخر كلمات تقال لها (مباشرة) أو تقال بشكل غير مباشر للرياح، أحبت إيكو نرجسًا، لكنه لم يبادلها الحب، لم يكن الأمر شخصيًا لكن نرجسًا لم يبادل أي شخص أو شيء الحب، كان يتلقاه ويُسر به فقط، الجميع مهما كانوا رائعين فهم ليسوا جيدين بما يكفي بالنسبة له، بعد رحلة صيد مع أصدقاءه، استطاع نرجس أن يصطاد فريسة عظيمة، لكنه كان وحيدًا حينها فأصدقاؤه قد تفرقوا كل يسعى نحو فريسة مختلفة، رغم إنجازه لم تجد السعادة طريقها إليه، ظل يبحث عن أصدقائه ليريهم حجم فريسته، وليرى كيف تشع عيونهم إعجابًا به، طال انتظار نرجس، لم يحضر أحد من رفاقه، أخذ ينادي بأعلى صوته، عسى أن يدركه واحد منهم.
تردَّدَ آخر ما قاله إليه، كان هذا صوت إيكو، أعجبه الصوت (صوته لا صوتها) فأخذ يردد النداء ثانية وترد عليه إيكو بآخر مقطع من ندائه ثانية ثم لم تستطع إيكو الابتعاد عنه أكثر من هذا، وتردد هذا الحوار الدال جدًا بينهما:
لا أريدك – أريدك.
-لا أرغب في تقبيلك. -أرغب في تقبيلك.
-أموت قبل أن أشتاق إلى أحضانك. -أشتاق إلى أحضانك.
حطم نرجس قلب إيكو، فطلبت من الآلهة عقابه “إذا أحب أحدًا فلابد ألا يبادله الحب” كان هذا شرط إيكو، استجابت الآلهة لدعائها، حين ذهب ليشرب من بحيرة الماء الصافية رأى للمرة الأولى ما ظنه حوريه جميلة تحت صفحة الماء تبادله التحية والابتسامة، لكن لا تبادله القبلة والعناق، ظل نرجس على ضفة البحيرة ينتظر أن تبادله (الحورية) الحب وأن ترحمه، أحب نرجس أخيرًا، لكنه أحب شيئًا لا وجود له، شيئًا لا يمكن أن يبادله الحب كما أراد، شيئًا هو في جوهره (لا شيء)، فكانت نهايته.
رمزية الحكاية فتحت أبواب التفكر ومحاولة إيجاد المعنى والحلول، وكان الطب النفسي الحديث طرفًا هامًا في محاولة فهم هذه القصة وربطها بنفسية البشر وأوضاعهم. من فرويد إلى كوهت وأبعد، اختلفت التحليلات عن النرجسية أسبابها ودوافعها، وهل هي عبادة للذات وتقديس لها أم محاولة لإدراك المثل العليا التي تطمح إليها الذات، أم أنها كراهية للذات وليس حبها فقط، فكل تمركزٍ حول الذات هو نرجسية حتى وإن كان هذا التمركز سلبيًا (ويمكننا هنا أن نستشهد بالرواية الشهيرة لدوستويفسكي “رسائل من تحت الأرض” حيث ظل البطل يحكي في النصف الأول من الرواية كيف يكره نفسه ويكره حياته، وكم يستمتع بهذه الكراهية، ويمكن جدًا أن يصنف نرجسيًا، لأنه تمحور أولاً و آخرًا حول ذاته فقط).
كانت النرجسية دومًا تعني التمركز حول الذات وعدم تقدير الناس وما يفعلونه من أجلنا، عدم القدرة على قبول الحب والنفور منه، ثم الهروب إلى أوهامنا الخاصة ودواماتنا التي لا تنتهي، لا تسبب أي شكل من الإشباع ولا يشعر المرء فيها بالسعادة إلا وهذه السعادة دومًا على شفير الهاوية.
لنفهم العوامل المؤثرة في النرجسية، سنستعين ببعض الكلمات المفاتيح، (الإيمباثي) وهي تعني الاهتمام بالآخرين ووضع المرء لنفسه في حذائهم، وهي تختلف عن (السيمباثي) وهي الشفقة أو النظر للآخرين بمزيج من الأسف والحسرة، الاختلاف الأساسي بين المفهومين هو أن الإيمباثي تجعل الشخص ينظر للآخرين ولنفسه بنطاق المساواة والتعادل، أما السيمباثي فهي تجعل المرء ينظر للآخرين من أعلى، يشفق ويشعر بالأسى على هؤلاء الذين هم (أقل حظـًا) وربما (أقل شأنـًا).
في جزء لا بأس به من الخطاب العام الغربي حاليًا ينظر للإيمباثي بأنها بوابة للفردوس، ما إن يدخلها الأفراد ويتمثلوا حالتها حتى تصبح كل المشاكل بين الأفراد فعلاً ماضيًا، لكن هل تعني الإيمباثي صلاح الناس؟ وهل تملك الحل حقـًا؟ وهل لو وضعنا أنفسنا في حذاء الآخرين وفهمنا كيف يشعرون ويفكرون؟ هل سترشدنا للخلاص كأفراد أغلبهم مغترب وكعالم معظمه محترب. قد يبدو الجواب للوهلة الأولى نعم بالتأكيد، لو تفهم الناس كيف يشعر ويفكر الآخرون فستنتهي مشاكل البشرية بأكملها، آسف جدًا ولكنني سأكون متشائمًا هنا، جوابي هو لا، لن تنقذ الإيمباثي وحدها البشرية، وأظن أن هناك كلمة/ مفتاح تؤيدني في طرحي المتشائم هذا:
الماركتنج/التسويق.
يقوم جوهر الماركتنج/التسويق على فهم ما يشعر به زبائنك المفترضون والمتوقعون، كيف يفكرون وما الذي يريدونه فعلاً، ما أحلامهم وتوقعاتهم، تضع نفسك مكان الزبون، ترتدي حذاءه وتذهب عمله وتعرف ماذا يحب وماذا يكره وتحاول أن تفهم تمامًا فيما يفكر وكيف وأين ومتى، تقوم شركات التسويق بأخذ هذه البيانات لتحللها تحليلاً صارمًا، تتماهى مع قلوبهم، لتصل إلى جيوبهم وحسب، وهذا يعني أنك قد تضع نفسك مكان شخص ما وتفهمه جيدًا، لكي تعرف ما أشد نقاط ضعفه ضعفًا، وتستغلها لمصلحتك، لذا فإن التفهم ليس هو الحل الأمثل للمشاكل بين البشر (التي جزء كبير منها -أي المشاكل- نابع من نرجسية هؤلاء البشر) لا يصبح الأشخاص أقرب أو أشد رأفة ورحمه بعضهم ببعض كنتيجة “حتمية” لهذا التفهم، بل ربما يصبح التفهم عبئًا وكابوسًا، كما رأينا ونرى ما يفعله المسوقون.
المسوق/الماركتر هي صفة اخترتها لقطاع كبير من البشر وليس الذين يعملون في مجال التسويق فقط بالطبع، الصفة الرئيسية في هؤلاء البشر هو أنهم يفهمون الناس ويعرفونهم، لكنها معرفه عقيمة، معرفة من أجل الهيمنة والاستغلال والتسلط، لا معرفه من أجل الحب والتسامح والمراعاة، لو عاد نرجس في هذا العصر ورأى حبًا حقيقيًا وواقعيًا يوجه ناحيته أو محاوله للتواصل الحقيقي فسيكون هذا رده “أنا أتفهمك جدًا وأفهم أنك تريد/تريدين علاقة حقيقية ومشاعر حقيقية واهتمامًا و تواصلاً، الفكرة هنا هو أنني لا أهتم، مهما كنت/ كنتِ صادقه في مشاعرك فأنا لا أهتم، ولا أستطيع أن أهتم، وغير قادر على أن أهتم، ليأتي مصطلح آخر يكمل المثلث ويغلقه وهو الإباثي ويعني اللامبالاة.
اللامبالاة بعداد الموت المرتفع في سوريا، اللامبالاة بالمصيبة التي نعرف جميعًا أنها على وشك الحدوث، الوضع الكارثي بامتياز، لكنه أيضًا غير الباعث على الاهتمام بشكل غريب، هذه هي النرجسية اليوم، ولنجابهها بأنفسنا وفي أنفسنا، يجب أن نوسع مفهوم الإباثي، ليتعدى مجرد الشعور بالآخرين وتفهم أوضاعهم ومعاناتهم، لأن هذا قد يكون سببًا في تأبيد الوضع القائم واستمرار الأوضاع كما هي، بل ربما زيادة هوة الاغتراب والحواجز النفسية والأسوار المتخيلة بين البشر، أنت تتفهم مشاعري وأنا أتفهم شعورك ثم ماذا: لا يمد أحدنا يد المساعدة للآخر حين يحتاجه.
الفعل هو الحل
أن نفعل شيئًا هو ما يهم، أن نحاول المساعدة على قدر الإمكان حتى وإن ارتأينا أن الفعل مصيره الفشل، وأنه حتمي الفشل حتى، وأن الهزيمة عممت على الكل ولم يبق سوى السخرية؛ السخرية من الفاعلين والمفعول بهم ومما يفعلون ومن كافة أشكال الفعل، حتى إذا ارتطمت أفعالنا بالحائط وشعرنا أن قوانا انتهكت وخارت أمام هذا اليأس العظيم، وأن العالم يريد أن يظل هكذا للأبد مقرًا للحروب والبشاعة والتفاهة، لنختار حينها الخيار الواقعي الوحيد، أن نستمر بالفعل.
The post النرجسية: محاوله للفهم والحل appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست