انتشرت في الأيام القليلة الماضية مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تصور السيدة الدكتورة سعاد الخولي التي تشغل منصب محافظ الإسكندرية بالإنابة وهي تتفقد مدرسة ابتدائية وتقوم بتوبيخ إحدى المدرسات بها قائلة لها أمام التلاميذ (أنا مش زفت ميس).
والحقيقة أن ما حدث في الفيديو وما نتج عنه من تعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي، قد استفزني إلى اقصى درجة فرأيت أن أعبر عما أحسست به في هذا المقال.
بداية فما حدث وشاهدناه في الفيديو هو نتاج طبيعي لمجتمع فقد فطرته وتلقائيته التي هي بمثابة البوصلة التي من المفروض أن توجه إلى الطريق الصحيح. ظهر هذا المجتمع المشوه الفاقد للفطرة السليمة في أربع تجليات واضحة: (المحافظ – مدير المدرسة – المعلمة – التلاميذ).
أولًا: المحافظ
أن تكون صاحب سلطان أو نفوذ في دولة لا تعترف إلا بالفرعون فذلك يصنع منك فرعونًا شئت أم أردت، النفوذ والمنصب يغيران النفس فيحيلان الضعف إلى قوة، ويبدلان الانبطاح إلى جبروت. السيدة الدكتورة التي تولت منصب المحافظ بالإنابة جاءتها فرصة ذهبية للجلوس على أحد مقاعد السلطة في مصر، فهل تضيع تلك الفرصة؟ لا بالطبع، ومن هو هذا الأبله الذي يضيع مثل تلك الفرص النادرة في بلد أصبحت فرص الظهور والتقدم فيه شحيحة للغاية.
ولكن كيف يتم تثبيت السيدة على الكرسي الذي جلست عليه؟ من المؤكد أن الإجابة على هذا السؤال مرتبطة بسؤال آخر وهو كيف ترك سلفها هذا الكرسي؟
المحافظ الأسبق كان هادئًا أنيقًا باسمًا، إذن فالحل أن تظهر الدكتورة بشكل مغاير تمامًا لما ظهر عليه سلفها، يجب أن تبدي أمارات السطوة والخشونة والتكبر والتعالي.
تدخل في زيارة تفقدية مفاجئة لمدرسة ابتدائية فقيرة في منطقة مهملة معدومة الذكر والصيت، ثم تبدأ في سؤال التلاميذ عما يدرسونه وتختبرهم، ترى أكانت السيدة الدكتورة تنتظر أن يظهر هؤلاء التلاميذ مهارتهم وذكاءهم وعبقريتهم؟
هذا لا يهم، بل ما يهم أن تلتقط لها الصور وهي تحدث التلاميذ مبدية اهتمامها وعنايتها ما يهم أن تسجل الكاميرات تعنيفها للمدرسة، فهذا دليل على قوتها وسيطرتها وصلاحيتها المطلقة على الاستمرار في كرسيها.
ثانيًا: مدير المدرسة
ذلك الرجل الأسمر البشرة الذي كان يسير خلف وأمام وبجانب السيدة الدكتورة، لا أعرف اسمه ولا أظن أن أحدًا اهتم أن يعرف اسمه، وجهه وسمته مألوفان، شعرت عندما شاهدته أني أعرفه من قبل، ثم تنبهت أن شعوري هذا نابع من كون جميع المصالح الحكومية يوجد بها أشباه وأمثال لهذا الرجل.
الانصياع والطاعة المطلقة والانبطاح هي ردود فعل ذلك الرجل أمام تعليقات الدكتورة الغاضبة المتعجرفة، شعور كامل بالعجز وقلة الحيلة مع أمنية بأن تنتهي تلك الزيارة العصيبة بأقل الأضرار.
مدير المدرسة وأشباهه هم الحلقة الأكثر قوة في سلسة الفساد والفوضى اللامتناهية في الجهاز الحكومي والإداري بالدولة والمجتمع على السواء، انظر له وهو يوافق ويؤكد على كلام وأقوال الدكتورة في كل المواقف، انظر على تعبيرات وجهه الأسمر الممتلئة بالنفاق بشكل واضح وصريح.
هل شاهدته وهو يقف في صف الدكتورة المحافظ عندما عنفت مدرسته أمام عينيه؟ لا لم تشاهد هذا الموقف إذن فقد فاتك مشهد مسرحي غاية في الروعة لتجسيد حجم النفاق الذي انتشر في مجتمعنا كالنار في الهشيم.
هل رأيته وهو يقف بجانب الدكتورة واضعًا يدًا على يد حانيًا رأسه مطرقا في صمت ناظرًا إلى موضع سجوده كأنما هو يؤدي طقوس الصلاة في خشوع، بينما يأتي جميع مدرسي المدرسة ليقدموا آيات الولاء والطاعة ويقدموا قرابينهم للسيدة المحافظ لعلها تعذرهم وتسامحهم على ذنب لم يقترفونه أصلًا؟!
ثالثًا: المعلمة
أن تكوني معلمة في زمن مثل هذا الزمن الذي نعيش فيه الآن فذلك شيء يستحق الإعجاب والتحية، وأن تكوني معلمة لغة إنجليزية في فصل دراسي يمتلئ بالطلبة الذين يجلسون بجوار بعضهم البعض مثنى وثلاث ورباع فذلك شيء متميز يدعو إلى الانبهار، أما ان تكوني متدينة ومنتقبة فذلك ذنب لا يغتفر.
في مجتمع تنظر نخبته إلى النقاب على كونه تخلف ورجعية وإسفاف في الذوق العام، لن يكون من السهل عندها أن تنالي احترامك أو أن يسمح لك الجميع بأن يتركوك في حال سبيلك.
سوف يجد الجميع حجة لانتقاص قدرك وإضعاف همتك وإبخاس شأنك، في مجتمع ريهام سعيد وبسمة وهبي وفريدة الشوباشي لا مكان لك يا فتاة، الكل سينظر إليك على كونك متخلفة ورجعية، لا أحد سيقدر أن نقابك فريضة دينية، ولن تجدي من سيقدر حريتك الشخصية في ارتداء ما تريدينه.
هناك حرية في التعري لكن لا يوجد حرية في الغطاء، هذا ما انعكس على تصرف الدكتورة أثناء حديثها مع المعلمة المنتقبة، كيف ترد المعلمة على الدكتورة؟ كيف تسمح لنفسها أن تبرر لها وتشرح لها؟
ثم كيف لتلك المعلمة أن تخاطبها بإنجليزيتها الركيكة (ميس)؟ هل جنَّت تلك الفتاة؟ هي فرصة جيدة إذن لاستعراض العضلات أمام فتاة ضعيفة جعلتها ظروفها الاجتماعية وعقيدتها الدينية تقبع في الدرك الأسفل من السلم الاجتماعي في مصر، ولا مشكلة في إضافة بعض التعبيرات الخشنة إلى التوبيخ، فكلمة زفت لن تضر بل ستكسب المشهد جوًا من التلقائية المحببة التي لا شك سوف تزيده أصالة وبراعة.
رابعًا: التلاميذ
ماذا تنتظر من أطفال يجلس ثلاثة منهم في مقعد واحد لا يتعدى طوله المتر بينما يقل عرضه عن الثلاثين سنتيمتر؟ ماذا تتوقع من أطفال يسمعون أغنية (مفيش صاحب يتصاحب) في بيوتهم وفي شوارعهم آناء الليل وأطراف النهار؟
ماذا تأمل في أطفال أصبح مثلهم الأعلى عبده موتة أو الألماني، وقد يرضى بعضهم بأقل من هذا فيكون طموحه أن يصبح أحد أعضاء فرقة أولاد سليم اللبانين؟ هل تنتظر من هؤلاء أن يكونوا من المتفوقين؟ هل ترجو منهم أن يكونوا صانعي حضارة أمة أو محققي نهضة شعب؟
إن أي توقع أو انتظار أو رجاء في تلك الأمنيات هو محض أوهام وأضغاث أحلام.
The post أنا مش زفت ميس appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست