لا زال الجميع يتذكر ما حدث لجيمس فولي (فوتوغرافي أمريكي)، وستيفن سوتلوف (مراسل مجلة التايم)، وديفيد هينس و آلان هينينغ (بريطانيان كانا يعملان في الإغاثة)، وهيرف غوردل (فرنسي كان يعمل مدربًا لرياضة تسلق الجبال)، ، وبيتر إدوارد كاسيغ (مساعد طبي اشتهر باسم عبد الرحمن كاسيغ)، وهارونا يوكاوا و كينجي غوتو (يابانيان كانا يعملان في الإغاثة) وغيرهم من ضحايا مسلسل قطع الرقاب الدموي الذي تريد “داعش” من خلاله البحث عن مكان لها تحت الشمس.
قد يحتار البعض في معرفة السبب وراء إصرار “داعش” على انتهاج هذا الأسلوب الهمجي في معاملة الرهائن، ولكن بعد معرفة نسبة المشاهدة لفيديوهات الذبح التي تم رصدها على شبكة الإنترنت يمكن القول أن “داعش” قد تمكنت من صناعة جمهور في المجتمعات الغربية يتابع ما تنتجه بلهفة!
فقد قدرت إحصائية تم إجراؤها في أغسطس 2014 أن فيديو ذبح جيمس فولي قد شاهده – بعد بضعة أيام فقط من نشره على الإنترنت – ما لا يقل عن 1,2 مليون شخص في بريطانيا وحدها، وقبل إنشاء موقع الفيديو الشهير “يوتيوب” كان عنوان فيديو ذبح نيكولاس بيرغ على يد أبي مصعب الزرقاوي من أكثر الكلمات طباعة على محركات البحث، بل تسبب ضغط الزيارات والمشاهدات الهائلة في تعطل الموقع الإلكتروني الذي بث مقطع الذبح في غضون يومين فقط من نشره.
وصرح هولندي كان يملك أحد المواقع التي كانت تنشر فيديوهات الذبح أثناء الحرب على العراق؛ بأن عدد زوار الموقع كان يرتفع من 300,000 إلى ما يقارب 750,000 في كل مرة كان ينشر فيها مقاطع الذبح، وفي خلال 18 شهرًا تجاوز عدد مرات تنزيل مقاطع الذبح بضعة ملايين، وزاد الأمر سوءًا مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي سهلت الوصول إلى هذه الفيديوهات وساهمت في انتشارها عبر العالم.
صحيح أن اختراع الكاميرا ووجود الشبكة العنكبوتية قد سهلا توثيق الحدث وجعلاه متاحًا للجميع، لكن إذا عدنا إلى الوراء قليلا – قبل اختراع الكاميرا والإنترنت – فإن العين لا تخطئ شدة اهتمام الناس بمشاهدة عمليات قطع الرؤوس، ففي عام 1820 احتشد 100ألف شخص في ساحة ويمبلي بلندن لمشاهدة عملية إعدام أربعة مدانين بالتآمر على الحكومة، وكان الأمر أشبه بمهرجان شعبي حاشد فقد تجمع الناس في الطرقات وجلسوا على النوافذ وفوق أسطح المباني وهم يتفرجون على رؤوس الخونة بعدما تم إعدامهم.
الدلائل تؤكد على أن البشر عبر التاريخ – أثناء متابعتهم لعمليات قطع الرؤوس – منقسمون حيال هذا الأمر إلى “متحمس” تملؤه مشاهد الرؤوس المقطوعة بالإثارة، أو “لا مُبالٍ” لا يكترث سوى بمتابعة ما يشد انتباه الأغلبية، ولا يبدو التقزز من هذه المشاهد أمرًا واردًا لدى الفريقين، ولو وجد فإن ذلك لن يمنع الناس من الإقبال على مشاهدة حفلات قطع الرؤوس كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا!
لمزيد من التفاصيل حول هذه الحقائق شاهد رابط مشاركة الأخصائية الأنثروبولوجية فرانسيس لارسون في TEDx بخصوص ولع الحضارة الغربية بالجماجم والرؤوس المقطوعة، والتي أودعتها في كتاب بعنوان:
Severed: A History of Heads Lost and Head Found
قطع الرؤوس والتوظيف السياسي
في مقال منشور بصحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 28 سبتمبر 2014 تحت عنوان (ممارسات الذبح ليست مقصورة على الدولة الإسلامية)، يشير جوناثان زيميرمان إلى جذور همجية داعش التي يمكن ملاحظة نظائرها في ممارسات المهاجرين الأوائل تجاه سكان قارة أمريكا الأصليين، حيث يقول: “عندما يحتفل الأمريكيون بعيد الشكر ويتخذونه مناسبة لتشجيع الانسجام بين الأعراق؛ فإنهم غالبا ما يتناسون أن أسلافهم المهاجرين قد خدعوا الهنود الحمر بعد سنتين فقط من تناولهم معهم لأول وجبة جماعية في عيد الشكر عام 1623، حيث قام قائد عسكري اسمه مايلز ستانديش بذبح شيخ قبيلة الهنود الحمر غدرًا”.
يشير الكاتب إلى أن الوافدين الجدد قد أبرموا اتفاقًا صامتًا يقضي بتنفيذ عقوبة الإعدام ذبحًا بشكل حصري ضد سكان القارة الأصليين حتى بداية عام 1800، واستخدموا نفس التبرير الذي كان يردده حكام الإمبراطورية الرومانية الغابرة في اعتبار “بعض البشر برابرة لا تنطبق عليهم معايير الحضارة الإنسانية”!
ولذا أقدم الجنود الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية على قطع رأس جندي ياباني عام 1945 وقاموا بإسناده على مقدمة إحدى دباباتهم من أجل تصويره، وكرروا نفس الإجراء ضد جندي عراقي خلال غزو الكويت عام 1991، ولكن هذه المرة تكرمت مجلة Life Magazine – التي رفضت فيما مضى عرض صور فظائع الحرب العالمية الثانية – بنشر صورة الرأس المقطوع للجندي العراقي على صفحة غلاف المجلة!
من المثير للانتباه أن عملية “قطع الرؤوس” كانت في أوروبا خلال عصر التنوير سلاح الحكام لقمع الناس، ولكنها كانت أيضًا وسيلة المناضلين ضد الاستبداد! فالسياسيون الأسكتلنديون حاليًا – ممن يسعون إلى انفصال بلدهم عن المملكة المتحدة – يذكرون ناخبيهم دائمًا بعمليات الذبح التي كان ينفذها ملوك إنجلترا قديمًا ضد الأسكتلنديين والأيرلنديين المعارضين لحكمهم، ولكن المفارقة أن هؤلاء المعارضين لم يتمكنوا من الحصول على سيادتهم الخاصة في ذلك الوقت إلا بعد ذبحهم للملك تشارلز الأول عام 1649.
تكرر هذا الأمر مع ملكة فرنسا ماري أنطوانيت وزوجها لويس السادس عشر، اللذين تم إعدامهما من قبل الثوار عام 1793، ومن اللافت أن عملية الإعدام تمت باستخدام آلة جديدة سميت بـ”المقصلة”، ابتكرها طبيب فرنسي وأهداها إلى الثوار حتى تكون وسيلة للقتل الرحيم بدلا من الإعدام بالفأس!
قطع الرؤوس عبر التاريخ
عملية قطع الرقبة وفصل الرأس عن الجسد ارتبطت عبر تاريخ الشعوب بمعانٍ مختلفة وحيثيات متباينة، وتتم هذه العملية عادة باستخدام وسائل مختلفة مثل الفأس والسيف والخنجر والمقصلة، وقد ينفصل رأس الإنسان عن جسده بشكل غير مقصود خلال كوارث المصانع وحوادث السيارات والانفجارات المفاجئة، وإنزال عقوبة الإعدام بالمدانين وتنفيذها عن طريق قطع الرأس قد تلاشت تقريبًا من دول العالم باستثناء بعض الدول الإسلامية التي لا زالت مصرة على تطبيقها.
في العصور الوسطى كانت الشعوب تستخدم هذه العقوبة بطرق موغلة في البربرية؛ فعلى سبيل المثال في اليابان – قبل عهد الإمبراطور ميجي – كان الإعدام بقطع الرأس أسلوبًا اعتياديًّا في معاقبة المجرمين، ولكن رغبة السلطة العارمة في إرهاب الناس كانت تتطلب تنفيذها أحيانًا بأساليب غير تقليدية.
فقد ذكر جيمس كلافيل في كتابه (الشوغون)، قصةً حدثت سنة 1573 لرجل اسمه سوغيتاني زينجوبو Sugitani Zenjubo قام بمحاولة اغتيال أودا نوبوناغا Oda Nubonaga – أحد كبار قادة الساموراي – وبعد إحباط محاولة الاغتيال تم القبض على سوغيتاني وحفرت له حفرة في الأرض دفن فيها كل جسده باستثناء رأسه الذي تم قطعه باستخدام منشار، وبما أن المنشار كان مصنوعًا من الخيزران – بشكل متعمد من أجل تعذيبه – فقد استغرقت عملية قطع الرأس بضعة أيام!
في الصين يعتبر الجسد في التعاليم الكونفوشية هبة من الوالدين، ويحظر تقطيعه أو إحراقه لأن ذلك حط من مكانة أسلاف الشخص الذي يراد إنزال العقوبة به وأولهم والداه، ولذا يفضل الصينيون معاقبة الجاني بإعدامه خنقًا عوضًا عن قطع رأسه.
واشتهرت قبائل السيلت Tribes of the Celtsالتي استوطنت غرب أوروبا بقطعهم لرؤوس أعدائهم ووضعها في مقدمة أحصنتهم وعلى أبواب بيوتهم، اعتقادًا منهم أن ذلك يمكنهم من السيطرة على قوة الشخص المقتول عن طريق حيازة رأسه واستعراضه أمام الغرباء.
إنزال العقوبة بقطع الرأس لم يكن عملا مجردًا من المعاني، فقد ارتبط هذا العمل في أذهان الشعوب قديمًا ببعض الرموز، منها على سبيل المثال:
-
الشرف:bb
- القتل بقطع الرأس بواسطة السيف كان تشريفًا للأرستقراطي أو الشخص النبيل، ففي البلدان الإسكندنافية إذا تم قطع الرأس باستخدام السيف كان ذلك تشريفًا للمقتول، ولكن إذا تم قطعه بواسطة الفأس اعتبر ذلك تدنيسًا له وتحقيرًا لشأنه، وفي إنجلترا يعتبر الإعدام بالسيف دلالة على شرف المكانة لأن الموت بالسيف رمز للمحاربين، ولكن العار يلحق بسمعة عائلة القتيل إذا تم إعدامه شنقًا أو حرقًا.
-
التعذيب:
- إذا غضبت السلطة على شخص ما فإن غضبها غالبًا ما ينعكس في طريقة إعدام ذلك الشخص المغضوب عليه، ويحكي الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم (1711 – 1776) قصة إعدام النبيلة الإنجليزية مارغريت بولي – ابنة جورج بلانتاجينيه دوق كلارنس – التي أعدمها هنري الثامن بلا محاكمة عام 1541 واعتبرتها كنيسة الفاتيكان شهيدة، حيث رفضت أن تثبت رأسها للجلاد وقامت بمحاولة التملص من أغلالها حتى تمكنت من الهرب من السقالة، وظل الجلاد يطاردها ويسدد الضربات تلو الضربات بفأسه على رقبتها حتى استطاع قطع رأسها في النهاية.
-
إرهاب المعارضين:
- كانت المقصلة وسيلة الإعدام المعتادة لدى السلطات الألمانية حتى إيقاف عقوبة الإعدام عام 1949، وفي العهد النازي كانت المقصلة سلاح السلطة المفضل في مواجهة المعارضين السياسيين. من أشهر هؤلاء حركة “الوردة البيضاء” المعارضة التي تأسست على يد مجموعة من الطلاب في ميونيخ وتم إعدامهم جميعًا بلا محاكمة. إعدام المعارضين السياسيين لم يقتصر على العناصر الموجودة داخل ألمانيا بل تعداهم إلى من تم اعتقالهم في البلدان المحتلة، ويقدر عدد السجناء الذين تم إعدامهم بالمقصلة في ألمانيا والنمسا بين عامي 1933 و1945 بنحو 16,500 شخص على الأقل.
قطع الرؤوس وألم الموت
يزعم جون ريد في كتابه The Philosophy of Death “فلسفة الموت” أن قطع الرأس – إذا نفذ بطريقة سليمة – يعتبر من أقل أساليب الموت إيلامًا!
فبعكس الألم الفظيع الذي يرافق الموت من تحطم عظام الجسد أو تمزقه أو غرقه أو احتراقه، فإن فصل الرأس عن الجسد بطريقة سريعة باستخدام آلة حادة – كالمقصلة مثلا – يجعل مركز الأحاسيس الموجود في الدماغ ينفصل بالكامل عن شعيرات الجهاز العصبي المنتشرة في أنحاء الجسد، هذا الانفصال المفاجئ يساهم في إخماد الإحساس بآلام الموت على الصعيد الفيسيولوجي.
يجادل بعض الأخصائيين الفيسيولوجيين أن مركز الجهاز العصبي في الدماغ قد يظل واعيًا لثوان بعد انقطاع الرأس (مثلا: الخطوات القليلة التي يخطوها الجسد بعد انقطاع الرأس فجأة نتيجة حادث سيارة)، والبعض يستعيد بعض الحوادث التاريخية الشهيرة مثل إعدام السيدة الفرنسية شارلوت كورديه (1768 – 1793)، حيث قام الجلاد بعد أن قطع رأسها بالمقصلة بصفع خدها الذي احمر فجأة أمام مرأى الجميع!
ويروي طبيب فرنسي اسمه غابرييل بيوريوكس في كتابه (تاريخ المقصلة) قصة تعود إلى سنة 1905 حين حضر عملية إعدام رجل اسمه “لانغويل”، يزعم هذا الطبيب أنه رأى “الجفون والشفاه تحركت حركة انقباضية إيقاعية لمدة خمس أو ست ثوان”، وهناك قصة ثالثة تتحدث عن جلاد همس بكلمة “مجرم” في أذن رجل قطعت رأسه في ساحة كوبلينتز Coblentz ففتح عينيه نصف المغلقتين وحدق في الجلاد بذهول!
لكن الأطباء في هذا العصر يؤكدون أن جميع هذه المزاعم ليست صحيحة، فبقاء وعي الإنسان بعد انقطاع رأسه – ولو لثوان معدودة – احتمال ضعيف جدا، وردود الأفعال المذكورة أعلاه هي مجرد “وخزات انعكاسية للعضلات وليست وعيًا أو حركة مقصودة”.
وعملية قطع الرأس ليست أقل أساليب الموت إيلامًا “فالموت بهذه الطريقة يحدث نتيجة فصل الدماغ عن الحبل الشوكي بعد تمزق الأنسجة المحيطة، وهذا يتسبب في ألم حاد وشديد جدًا”، ولهذا السبب يعتبر الإعدام بهذه الطريقة من أكثر أساليب القتل وحشية على الإطلاق.
The post حفلات قطع الرؤوس appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست