الثلاثاء، 13 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : العرب .. من وأد البنات إلى وأد اللغات!

ابتداء .. يقولُ المناطقة إن ضبطَ الفكرِ مرهونُ بضبطِ اللغة، لذا كان لزامًا علىّ التمييز بين أمرينِ قد يختلطُ على البعضِ فهمهم فى سياقٍ سليم.

اُفرقُ فى طرحي هذا بين نقلِ وتبادلِ الثقافات الذى من شأنهِ أن يُجددَ شبابَ الأمة، ويُكسبها من الحيويةِ ما يضمنُ رُقيها ورفعتها، وبين الانسحاق الفكرى والثقافى الذى يُخيمُ على مُجتماعاتنا العربية بصورةٍ مُخزية، يجعلها تنسلخُ من أصولِها وهُويتِها دون أن تشعر!

 

دعنى اُصارحكَ أولاً أن هذه الفكرة تبلورت بعقلى منذُ أمدٍ بعيد، وأترددُ فى طرحِها، تارةً بداعى التخوفِ من أن تكونَ فكرةً كتلك هى من وحي خيالي، وليس فيها تماسُ مع الواقع. وتارةً يُراودُنى الإحساسُ بأنها ليست معركتى أصًلا! نعم .. فماذا يعنينى منها؟!

 

إلى أن سلمتُ أخيرًا بأنها قضيتى وآمنتُ بهذا – عقًلا وعاطفًة – ولا اُخفيكَ أننى كنتُ ساذجًا حينَ ظننتُ يومًا ما أننا ندورُ فى فلكِ التبعية للدول الكبرى فيما يتعلقُ فقط بالقضايا ذات الانتشار الأوسع والصدى الأعلى فى كُتُبِ التاريخ التى قرأناها أو نقلها إلينا أعتى المؤرخون، كالاحتلال، التطبيع، مسألة القرار واتخاذه، .. إلخ

 

 

فى حين تجاهلوا سرد حقيقة رسخت فى مجتمعاتنا بعد كل احتلال إلى اليوم، وتجاهلوا النظر إليها بعينِ الاعتبار كتلكَ التى تتعلقُ بالهُوية والثقافة وما هو على ذاتِ المنوال.

 

 

 

لنؤصل الأمرَ إذًا! تُعرفُ الهُوية – وهو التعريف الأمثل فى مجموع ما قرأت – بأنها مجموعة الخصائص والصفات التى تُميزُ أى كيان ويُعَرّفُ بها نفسه، ويعرفهُ بها الآخرون، يُؤمن بها، يُوالى ويُعادى على أساسها.

فالمجتمعات التى تفقدُ هُويتها، تفقدُ وجهتها بالتبعية.

 

 

وأعتبرُ دائمًا أزمة الهُوية من أكثر الأزمات تعقيدًا وتشابكًا، نظرًا لتعدُدِ أسبابِها وتنوعها بين سياسية وثقافية، فكرية واجتماعية، تشتركُ جميعًا لتُشكلَ أزمةَ التكوين الثقافى لهذا المجتمع. إذًا بمزيدٍ من الإيضاحِ أقول: إن الاُممَ دائمًا تتعرضُ فى مسارِ تارِيخها لتحدياتٍ جِسام، أعظمُها على الإطلاق – فى رأيي – ” التحدي اللغوى! ” يصِفُهُ ( م . أيمن عبد الرحيم ) فى إحدى مُحاضراتِهِ بأنه كتجربة:

 

” كيف تغلي ضفدعة ؟ ” إذا جئنا بماءٍ يغلي وألقينا فيه الضفدعة، تقفز! أما لو أحضرنا ماء فاترا وألقينا بالضفدعة على نارٍ هادئة، لن تقفز الضفدعة وتُسلق!

التحدي الحضاري اللغوي من هذا النوع، أن الأمة تنسلخُ وهى لا تدري حتى تُسلق كالضفدعة تمامًا.

ودائمًا تقترنُ فكرة ” التحدي اللغوى ” لدىَ بسرد التجربة العبرية فى إحياءِ اللغة.. فقد تفاعلتُ معها تفاعًلا مُركّزًا يتناسبُ فعليًا مع قوتِها! تعرضت اللغة العبرية كغيرها من اللغات المأكولة لظاهرة، ” موت اللغات ” نالت منها وظلت ميتة لما يُقاربُ الألف عام!

إلى أن قررَ ” إليعيزر بن يهودا ” أن يُحيي موات العبرية من جديد، فبعد أن أنهي دراسة الطب فى فرنسا .. توجهَ إلى فلسطين بفريقٍ لُغويٍ ضخم عمل على إحياء اللغة مرة أخرى، وكان يُؤمنُ بقُدسيةِ هذا، وفعًلا كان له ما أرادَ واستطاع إحياءها!

 

لذا استحقوا هم وكلَ مُقدِس للغة أن يكونَ ” فاعل مرفوع بالضمة ” فى الموقع الإعرابي الحضاري، ونحنُ ما زلنا ” مفعول به منصوب بالفتحة ”

ولم أجد فى التجارب العربية ما يستحقُ السرد حقيقًة، سوي التجربة السورية التي تُعلى من شأن العربية – نسبيًا – فعًلا لا قوًلا!

وقد اتَخَذَت قرارًا بتعريب العلوم منذ عام 1919 تقريبًا، ( الطب ) تحديدًا يُدرّسُ بالعربية! ونحنُ هنا فى حالٍ يُرثي لها؛ نتحدثُ لغةً يُسميها البعضُ ” لغة هجين ” ، ويُطلقُ عليها أحيانًا ” ازدواجية اللغة “، لا هي أدركت العربية ولا أنصفت الإنجليزية أو أيًا من اللغات الأخرى!

ومن هنا دخلت العربية فى طور الموت الفعلى لهجر أبنائها لها وتشبُثِهم بما يظنونه يُكسبهم صفة ” الكول ” على حد وصفِهم أو اعتقادهم الضمني.

أختمُ اُطروحتى المتواضعة إذًا بأننى لستُ ندًا للغات أو خِصمًا لها كما قد يتوهمُ البعض بعد قراءة كلماتى تلك، بل لدي شغفُ بتعَلُمِها اسألُ الله ألا أفقدهُ أو يَهَجُرَنى.

كما أن لدي قناعًة تشكلت فى سنٍ صغيرة، من بحثي فى مسألة اللغة وعلاقتها بالهوية، تنصُ على أن اللغة أداة قوة لا ريب، ندعو لها ونُثّمِنُ قيمتها، لكن أن تكون بديًلا عن اللغة الأم فى مناحي الحياة، ومن غير ضرورة حقيقية من أجل تبيان هزيمة نفسية أو استعلاء واستظهار للفهم، هذا ما أتحداهُ وسأظل.

The post العرب .. من وأد البنات إلى وأد اللغات! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست