كلمات وسهام تأتي من كل الأطراف وكأنها حرب للتخلص من عُقد النفس والمجتمع بنقل العدوى من شخص لآخر وكأن هذا الذي يعيش في جلباب المجتمع يريدك أن تعيش بنفس الجلباب الذي لا يستطيع هو التخلص منه، جلباب متلازمة “عقبالك”، تلك المتلازمة التي تصيب الجميع بكل مناسبة تحدث لأحدهم، فيتسابق الجميع للتهنئة ثم بعد ذلك يتجول بين الحضور ليقول “عقبالك” لكل من لم يكن قد مرَّ بهذه المناسبة من قبل، خطبة كانت أو حفل زواج أو إنجاب، وأحيانًا في مناسبات الحصول على الشهادات العلمية.
هذه المتلازمة التي يعاني منها الرجل والمرأة، ولكنها تفرض على حواء بعض النقاشات والاستفاهمات كلما ذهبت إلى أي مكان أو تحدثت إلى أي شخص، فدائمًا ما يلاحقني هذا السؤال الأشهر على الإطلاق بعد التعرف على الاسم مباشرة وهو “هل أنتِ متزوجة أم مخطوبة؟”، وبمجرد أن أقول لا هذا ولا تلك فإذا بسباق من الأسئلة عن عمري وأسباب وحدتي “كما يسمونها”.
وهل مررت بتجربة تسببت في هذه العقدة “أيضًا كما يطلقون عليها” وسلسلة من هل ولماذا إلى أن تأتي مرحلة الخطاب التنويري بغرض إفاقة المريض، بتحذيري من عدم ملاحقة قطار الزواج وأنه “ظل رجل ولا ظل حيطة” ثم مرحلة الخطاب التهديدي، ألا يصيبني الغرور لكثرة الـ “عرسان”، من يتقدم لخِطبتك اليوم لن ينظر لكِ غدًا، وكأن من يختارني اليوم سيختارني لنضارة بشرتي وسيتركني بمجرد أن تسطر التجاعيد خطوطها على وجهي! ثم ندخل بمرحلة الخطاب الترهيبي وهو أنكِ لن تشعري بمرور الزمن حتى تجديه مرَّ بلمح البصر وتجدي نفسك وحيدة تبكين على حظك وشبابك الضائع والفرص التي لم تقتنصيها، وكأن القدر نحن من نسطره وننعزل عنه أو نقترب!
و الأكثر ذكاءً من هذا وذاك، ذلك الذي يميل لخطاب الاستعطاف الذي يحمل رسائل تهديدية من نوع آخر، فيقول لي “والديكِ يريدون الإطمئنان عليكِ قبل رحيلهم، بل جميعنا نريد أن نطمئن عليكِ”، وكأن زواجي شريطة لوقوف حروب عالمية حتى تطمئن قلوبهم، أو أن الزواج هو السبيل الوحيد للاطمئنان على الفتاة!
نعم كل هذا وأكثر يحدث لي ولغيري من الفتيات وطبيعي أن يحدث وتحترمه بعض العقول، لأن البعض إن لم يكن المعظم تربى وسيربي أجيالا على أن المرأة ليس لها إلا منزل زوجها وهذه سُنة الحياة التي سنها الله لبقاء الخليقة.
وكل ما سبق تجاوره بعض الصعوبات التي أجدها كفتاة تتحرك بدون رجل داخل مجتمعات تقدس الشوارب، وترى أن أية أنثى فريسة إلا إذا كانت محصنة بخاتم باليد اليمنى أو اليسرى أو بوجود محرم متفرغ لمجاورتها دائمًا.
ووسط زحام كل هذه الأفكار والقيل والقال، لا أستطيع أن أختلي بحلمي وأفكاري، أريد أن أسمع صوتي، أريد أن أشعر بذاتي كما أريد أنا، لا كما يريد المجتمع.
فإن كانت الوحدة قاسية كما يرى البعض فإن الوحدة بعد فشل أكثر قسوة، بل الأعظم قسوة بعد كل هذا الهراء أن تمسين وحيدة ولكن في ظل رجل!
فأنا أخشى أن أكون كتلك التي قد طلقت البارحة وتبكي اليوم على هذا القطار الذي ظنت أنها لحقت به لتكتشف أنه دهس أحلامها وبسمتها، أو كهذه التي ترى زوجها بين الحين والآخر فيسألها عن أحوال أولادهم وكأنه نسي أنها إنسانة ولها أحوال!
فالزواج ليس مجرد عقد يبيح النكاح بين الرجل والمرأة إنما هو ميثاق لتأسيس أسرة تقوم على السكن والمودة والرحمة. أريد أن آخذ بالأسباب بقدر استطاعتي لا بما تأمر به هذه المتلازمة. أريد ذلك الزوج الذي أتمناه زوجًا بالآخرة لا الذي أراه نجدة لألحق قطار الزواج، أريد هذا الذي يريدني لذاتي لا لنضارة بشرتي في شبابي، هذا الذي يريدني وإن كنت عاقرًا.
هذا الذي أتحمله بمرضه وكبره ويميل لي وأنا عجوز، أنتظره بغيابه حتى يعود وأصبر إن مات قبلي حتى ألتقي به بالإخرة، هذا الذي سيبكي بعد وفاتي لا الذي يذهب ليبحث عن من تملأ فراغ وحدته بعد مماتي. أريد هذا الذي يُقسم أني قضيته وأراه قضية عمري، لا الذي أراه صفقة إن تمت ربحت وإن لم تتم أقوم لأنتظر الصفقة المقبلة. أريد وأريد والمجتمع يريد والله يفعل ما يريد. فالحسرة كل الحسرة أن نحقق أحلامًا ليس لنا منها شيء، تحت شعارالجميع يفعل والمجتمع يقول.
الحسرة كل الحسرة أن نجد العمر يضيع ونحن ننتظر ونبكي على شيء ليس لنا حول فيه ولا قوة، وننسى أننا خليفة الله بأرضه لنعمر بها بما قد يُسِّرنا له، لا لنتكاثر فقط! فهل لي أن انتظر دون تنظير ونصائح ترهيبية؟ هل لي أن أختار بلا قيود؟ هل لي أن أختار ولا أضطر؟ هل لي أن أعيش بمجتمع عاقل لا ينظر لحالتي الاجتماعية؟ هل لي أن أعيش دون مسميات وتلميحات عن تقدم العمر والقدرة على الإنجاب! وهل هم يعلمون الغيب وأني سأظل وحيدة كما يرون، أو يعلمون الغيب ويضمنون لي زواجًا سعيدًا، أو حتى يعلمون الغيب ويضمنون لأنفسهم شيئًا؟
لا أنا أعلم الغيب ولا هم يعلمون .. لنترك القدر يأخذ مجراه، دون تعجل إلى أن يأتي الزوج المناسب بالوقت المناسب، فالقدر كله خير، وسبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، قد يكون الزواج خيرًا لهذا والطلاق خيرًا لهذه وحياة الأعزب خيرًا لذاك وليست خيرًا لك وهذه الأرملة وفاة زوجها خيرًا لها، وإنجاب طفل واحد خيرًا لهؤلاء وعدم إنجاب هذين خيرًا واحتسابًا لهما وهكذا …، فرُب خير لم تنله كان شرًا لو أتاك ورُب خير لك كان شرًا لآخر، فهكذا تسير الأقدار وله بكل شيئًا حكمة، لنحمد الله على جميع نعمه ولنتأمل حكمه.
فالزواج رزق ونعمة من الله في الحياة ولكنه ليس كل الحياة .. نعم قد ننتظره لكن لا نموت بدونه. استوصوا بالنساء خيرًا ورفقًا بالقوارير يا سادة.
The post متلازمة عقبالك appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست