السبت، 17 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : أعز الله دين أبيك

 

عودة إلى الوراء

 

قبل أن تغوص بعينيك في أسطر هذا المقال، أطلب منك أن تحاول قراءته في فترة زمنية آخرى سابقة عن يومنا هذا بعشرين أو ثلاثين عاماً مثلا، فأولاً عُد بذهنك إلى الوراء، وثانياً تخيل الحالة الأخلاقية في اليوم الذي عُدت إليه، وثالثاً أجبني ماذا لو سمعت أحداً الآن (الأمس) يسُب “الدين” ؟ وبم ستشعر في داخلك جراء ذلك ؟ وكيف ستنظر إليه ؟ وهل تظن أنك سترد عليه وتوبخه أو ترشده؟ أم ستتركه وكأنه لم يفعل شيئاً؟

 

 
بالطبع قد تكون ( والكثير منا أيضاً ) مُهولاً لهذه الواقعة العظيمة اليوم مثل أمس، ولكن أظن أنك تتفق معي في أن المناخ العام داخل المجتمع قد تغير بشأن سب الدين، وربما بشأن العلاقة مع الدين ككل.

إن أي استحضار لصحة المجتمع الأخلاقية في وقت سابق قد يصدق على ذلك، وكم نحن بحاجة إلى تلك المقارنة بين الماضي والحاضر، لا من أجل التحسر، ولكن من أجل الاستفاقة ومعرفة كم نحن قد اندثرنا كثيراً أخلاقياً ودينياً ( إلا من رحم ربي) ، ومن أجل هذه المقارنة دعوتك إلى العودة إلى زمن سابق ( ربما زمن طفولتك أو شبابك).

ما الفرق إذاً؟

 
وعودة إلى قضية سب الدين، فترى ما وجه الاختلاف الحقيقي بين الماضي والحاضر بشأنها؟ يتجلى وجه الاختلاف في اضمحلال وتراجع الرهبة والإجلال لهذا الكيان المقدس وهو “الدين”، فسابقاً كان سب الدين إذا وقع أحدث ضجة داخلية في نفوس الحاضرين، ورد فعل خارجي عنيف منهم يوحي بمدى تعظيم ذلك الشيء الذي لا يُسمح أن يخدش ولو مثقال ذرة.

أما الآن فأصبح المقدس يطعن من الكبير والصغير، بينما الجو العام في المجتمع بخير ولا يشعر بأي أذى جراء هذا الطعن. وبلا شك فإن هذا الاختلاف تقف وراءه أسباباً ( لا مبررات) توضح لنا سبب هذا الانحطاط الأخلاقي الذي قد وصل إليه مجتمعنا في تعامله مع المقدس، ولكن قبل الخوض في تلك الأسباب علينا أن نسأل عن مكانة الشيء المقدس في حياة الإنسان.

الدين كمقدس

 
تنال الأشياء قداستها عندما تكون نابعة من القوة العليا المفارقة للكون والمتحكمة فيه في ذات الوقت، والتي تعني بشئونه وتمده بالعديد من العطايا مثل الرزق والعون والهداية والنصر والإنقاذ من الكوراث، فالله تعالى هو ( الحي القيوم) الذي ( لا تأخذه سنة ولا نوم) و( ما بكم من نعمة فمن الله).

وبالتالي فإن إلهنا المدبر لشئوننا ورازقنا له علينا، ليس فقط عبادته وإجلاله، ولكن أيضاً توقير واحترام كل شئ ذا صلة به سبحانه، والذي تنال بهذه الصلة صفة المقدس، فمكان العبادة مقدس، والكتاب المنزل مقدس، والرسل مقدسين، بل آثار بيوتهم وقبورهم مقدسة، والشعائر مقدسة، والدين كمنظومة تضم كل ما سبق ينال القدر الأكبر من القداسة.

سبب سب الدين

في رأيي، وبالرغم من هذه المكانة الرفيعة للمقدس، فإن أساس سب الدين يقوم على تعمد خدش المقدس، كيف ذلك؟ عندما يكون الإنسان في شدة الغضب من شخص آخر، فإنه يتعمد إغضابه أو إيذاءه بأكبر قدر ممكن، وإذا اعتمد على شتمه فإنه قد يسبه بوالديه وخاصةً أمه (لمكانتها الكبيرة) أو أهله، حتى أن الأمر قد يصل إلى الخوض الشديد في عرضه.

 

 
ولكن هذا لايكفي عند البعض، حيث يشعر أنه لم ينتقم (لفظياً) من عدوه بالشكل الكافي، فيسب الشيء المقدس عنده، حتى يوقع به أكبر ضرر نفسي ممكن، فلفظ “يا حيوان” ليس كلفظ ” يا ابن الحيوان” ، وكلاهما ليسا كلفظ “يا ابن دين الحيوان”.

وحالة أخرى للغضب تدفع صاحبه لسب ما أُمرنا بتقدسيه وهي التعبير عن الغضب دون تعمد إيذاء الآخرين، حيث يلجأ البعض إلى ذكر الدين في مقام غير لائق؛ ليعبر عن أنه في حالة غضب شديد، فهو يريد أن يوصل للآخرين أنه غاضب ومستاء، ويظن أنه إن تحدث بصوت مرتفع أو قال بعض الشتائم البسيطة، فإن الرسالة لن تصل إلى الآخرين، وبالتالي فعليه أن يستخدم شيئا عظيم وهو الدين (أو القَسَم بالطلاق أيضاً) ليدل على عِظَم غضبه.

الوباء في مرحلة متقدمة

ليت الأمر يتوقف عند حالة الغضب فقط، فإن هذه الحالة مجرد مرحلة أولى سابقة لمراحل أخرى أكثر تقدما وسوء، بمعنى أن مصيبة سب الدين أصبحت فيما بعد أمراً عادياً وغير مرتبط بالغضب وحسب، ولكن في حالة الفكاهة أيضاً أو المزاح، أو الكلام العادي بين الأصدقاء، أو خلال عتاب الزوجين ولهو الأطفال (إلا من رحم ربي).

 

 

 
وكما ذكرنا سابقاً، فإن المقدس إنما ينال قداسته من الله، وهؤلاء الظالمين لأنفسهم قد تعاملوا مع المقدس بمستوى واحد فقط، وهو المستوى الدنيوي أي دين الشخص الذي أسبه، ولكنهم نسوا أن هذا الدين ليس دين فلان أوعلان، انما هو دين الله، أي أنه ذو صلة بالسماء، فالذي أرسل إليك هذا المقدس وأمرك باتباعه و إجلاله، هو الذي يرزقك ويحميك ويلطف بك، وهو ذاته الذي تقابله بالاستهانة وتقابل دينه بالسب ليل نهار، فهل تظن أن هذه العلاقة عادلة ؟ أو تظن بأن الله سيسعد بذلك؟ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

وأخيراً

فإن سب الدين أمر عظيم، وربما فتاوى معظم الفقهاء بشأنه صادمة ومروعة، فحكمه عند الكثير منهم (وربما معظمهم أو جميعهم) هو الكفر والردة عن الدين، ربما لم أجد متسعاً لعرض تلك الفتاوى بإطناب.

وعلى كل حال، فإن كان هذا الوباء قد بدء بسبب الغضب، فقد انتشر بسبب كثرة سماعه وترديده، فالإنسان يتعلم من غيره بكثرة الترديد ” كالزن ع الودان” كما نقول، وبالتالي فستسمع من الكثيرين هذا الوباء، ولكن جاهد أذنك وذهنك ونفسك بألا تتأثر بما تسمع، حتى لا تكون ناقلاً للآخرين هذا الوباء فتحمل ذنبك وذنوبهم ( وأي ذنب)، ولكن إذا سمعت أحدهم يقول: ” لعن الله دين أبيك”، فقل له بل: ” أعز الله دين أبيك و أبيه”.

 

The post أعز الله دين أبيك appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست