علماني وليبرالي ومتدين، ثلاث فئات انبثقت من ثلاث مسميات، ظن البعض أنها متناقضة (العلم والحرية أحيانًا لا يتعارضان) ولا يمكن أن تجتمع في مكانٍ واحد أو في كتابٍ واحد، أو حتى في جملةٍ واحدة، وإذا اجتمعت فإن الحوار بينها يقف أمام حائط لا ينفذ منه. ولكن هنا يُطرح السؤال الأزلي، هل هم متعارضون فعلًا؟ هل العلم والحرية بتعريفيهما المجرد من تدخلات الإنسان فيهما، لا يمكن أن يجتمعا مع الدين؟ وإذا حاولت التعريفات الثلاثة الاندماج هل يفسد أحدهما الآخر؟ هل هم مزيج لا يمكن أن يصنع كتلة واحدة متماسكة؟
هل هم في النهاية ثلاثة وجوه لعملة واحدة؟
وفي هذا المقال، لن أهتم بمن أتى قبل الآخر عندما بدأت الخليقة، الحرية أم العلم أم الدين – والدين قبل أن تُنَزَّل الأديان السماوية هو التوصل عن طرق الضمير والتفكير أن هناك من هو خالق كل هذا الكون، من هو أقدر من الإنسان على صنع المعجزات – لأنني لا أعرف آدم، لا أعرف متى شعر بمبدأ العلم، أو الحرية، أو بوجود الله، فلا يوجد ما يؤرخ لذلك.
ولكنني سأكرس هذا المقال لكي أثبت أن الأديان واعتناقها لا تتعارض مع هذين المبدأين.
العلم في الدين
من يتفحص في الكتب المقدسة سيتأكد أن العلم جزء أساسي من كل من الديانتين، بل قد يكون التبحر في العلم جزءًا من التفكر في خلق الله ومعجزاته، حيث أن معرفة أسرار هذا الكون قد تزيد المؤمن إيمانًا، والمحب حبًا في الله، والمطيع طاعةً وإجلالًا لله.
ففي سفر الأمثال قد لقب مبغض العلم في الكتاب المقدس بالأحمق: “إِلَى مَتَى أَيُّهَا الْجُهَّالُ تُحِبُّونَ الْجَهْلَ، وَالْمُسْتَهْزِئُونَ يُسَرُّونَ بِالاسْتِهْزَاءِ، وَالْحَمْقَى يبْغضُونَ الْعِلْمَ؟”، كما أتى في سفر الحكمة أن العلم والمعرفة هما سر الحياة وأصلها: “إِنَّ مَعْرِفَتَكَ هِيَ الْبِرُّ الْكَامِلُ، وَالْعِلْمَ بِقُدْرَتِكَ هُوَ أَصْلُ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ”.
وجاء في سفر التكوين مراحل بدء الخليقة على كوكب الأرض، كما جاء ذكر أخبار المحيطات والأنهار والكواكب من وجهة نظر علمية، كما جاءت وصفات بني إسرائيل الطبية. ورجوعًا للعصور القديمة، سنجد أن هناك عدد لا بأس به من رجال الدين المسيحيين الذين لهم إنجازات عظيمة في مجالات الطب والطبيعة ومنهم الراهب الإنجليزي روجر باكون، والراهب البولندي نيقولا كوبرنيكوس.
وقد مجد الإسلام طالب العلم، فيقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع” رواه الترمذي، ويقول الله – عز وجل – في سورة المجادلة: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”، وجعل العلماء ورثةً للأنبياء، فإنه أيضًا اهتم بالتفاصيل العلمية لمراحل خلق الإنسان، وتحدث عن الجبال والنباتات وطبيعتها وعن الدواب وكيفية الاستفادة منها وعن الفلك .. إلخ.
الحرية في الدين
يقول البابا شنودة الثالث في كتاب “عشرة مفاهيم”: “الحرية الحقيقية هي أن يتحرر الإنسان من الأخطاء فيتحرر من الخطايا والسقطات، ويتحرر من العادات الرديئة. يتحرر قلبه من كل المشاعر الرديئة، ويتحرر عقله من الأفكار المنحرفة ومن كل خطأ فكري يتحرر أيضًا من تأثير الصحبة الرديئة والمعاشرات المفسدة، ويتحرر من كل قيادة تفرض سلطانها على إرادته، لتقوده حسب هواها في مسيرة منحرفة، هذه هي الحرية، التي قال عنها الكتاب” إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو 36:8)”.
ويقول الله – عز وجل – في سورة البقرة: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ”؛ فقد شرع الإسلام الحرية في جميع جوانب الحياة، حتى في الدين، حيث أن ليس للمسلم حق إكراه غير المسلم على اعتناق دينه، لذا فبنود الحرية واسعة المجال وشاملة كل جوانب الحياة حتى في المذهب. كما أمر الإسلام بحرية الفكر والرأي، بحرية العقل وإطلاقه ليفكر ويحلل ويستنتج لا ليسير عبدًا لهواه؛ فيقول الله – عز وجل – في سورة النجم: “إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا”.
فإن أي نبي أرسل وأي رسولٍ بُعِث وأي كتاب أُوحَي لقومٍ، فإن ذلك لأن العبودية استوحشت فيهم. فالدين بالنسبة للإنسان “المتدين” – وهي كلمة نسبية يختلف معناها من شخص لآخر – هو إخلاص الوجه والقلب والروح لله وحده، ليس لصنمٍ أو لألسنة نارٍ أو لبقرة أو لغير ذلك.
فعندما يخلص الإنسان لربه، فإنه لا يأبه ولا يذل لمالٍ أو لجاهٍ أو لسلطان، لا يشغل قلبه سوى بطاعة الله والعمل على إرضائه، ولا يسجد ولا يرجو إلا لله وحده. ولا يلهث وراء مظهرٍ أو ملبسٍ أو نزوةٍ ورغبةٍ لارتكاب شيء مرفوض دينيًا أو اجتماعيًا، لأنه يعلم أن هذه ليست الحرية.
الحرية في الأديان هي احترام النفس والروح، وتكريمها عن كل فاحشة، فالروح الأبية هي من تتنزه عما يضرها وتبحث عما يغذيها.
لذا قد استنتجت أن العلم والحرية لا يتعارضان مع الدين بأي حالٍ من الأحوال، فإن الحرية والعلم قد نودي بهما في كل الكتب السماوية. (وهذا المقال يعبر عن رأيي فقط).
كيف لنا أن نفصلهم وندعي أنهما ليس لهما علاقة بالدين، وأن كلًا منهم يفسد الآخر؟
فإنك – أيها الليبرالي العلماني ممن يدعون أن الدين هو نقيض الحرية والعلم – إذا سألت أي متدينٍ حقيقي – وليس من تجار الدين الذين تتخذهم سلاحًا لمواجهة الدين مدعيًا أن كل متحدثٍ باسم الله على الأرض فهو كذلك – سيقول لك أن الله هو الحرية التي حدودها النفس النقية التي لا تأمر إلا بما فيه خير ونفع. وأن الله هو العلم المطلق الذي ليس له حدود، العلم الذي إذا عاش الإنسان دهرًا كاملًا محاولًا الإلمام به وبأسراره لن يقدر، لأن هذا العلم المطلق هو صفة الله وحده.
The post ثلاثية العلم والحرية والدين appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست