السيدة شريفة المقام والنسب خديجة بنت خويلد الأسدية، امرأة ذات قدر وأدب وعفة ومال، كان يطلق عليها أهل مكة السيدة الطاهرة, امرأة ذات سريرة طيبة ونفس نقية ووفية, كانت تستأجر من يعمل على تجارتها صيفاً وشتاء.
سمعت برجل من بيت عبد المطلب يجتمع معها في النسب يقال له محمد، إنه الصادق الأمين, كم تحتاج سيدة مثلها لشخص أمين على تجارتها, لم تكن تدري السيدة الطاهرة أنها من ستكون يوماً أمينة ذلك الشخص أيضاً.
رغم فقر الشاب وعوزه كانت يعجبها ما تسمعه عن أخلاقه, ومن مثلها لا يقدر الأخلاق؟ إنها العفيفة الشريفة الصادقة الوفية, كان للسيدة خديجة الوعي الكامل بأهمية القيم والمبادئ في الحياة, كان لديها الوعي الكافي أن ترفض كل أثرياء مكة وتختار شخصاً فقير المال غنيا بأخلاقه.
السيدة الأسدية تستطيع أن تختار زعماء وقادة العرب وأثرياءهم, الجميع رهن الإشارة, ولكن لم تختر المهر الغالي والزاعمة الفارغة, اختارت شريكها, اختارت الأخلاق, لم تعرف السيدة خديجة عن ـ محمد صلوات الله عليه ـ إلا أخلاقه وصدقه وأمانته وكرمه، أرسلت السيدة إليه تقول: يا ابن عمّ ! إني قد رَغبْتُ فيك لقرابتك، وشرفك في قومك وأمانتك، وحُسْنِ خُلقِك، وصِدْقِ حديثك.
إن بيئة مكة كانت دهرية مادية لا يوجد بها فكرة البعث والنشور, كانت القيم والمباديء ناتجة عن القيد الاجتماعي والأعراف, أما بالنسبة للسيدة خديجة كانت المبادئ لها وجود آخر بحياتها، إنها رغبت في شخص فقير ـ فقط ـ لعلو أخلاقه وصدقه, تخيل أن شخصاً ذا خلق تقدم لإحداهن بأخلاقه فقط، ستقول له: أصرف أخلاقك من أي بنك؟
وللغرض العلمي بحثت عن سبب وعي السيدة وشخصيتها الغير عادية, فوجدت أن خويلد بن أسد والدها كان من فرسان وشجعان قريش يكنى بأبي الخسف, كان صاحب قريحة شعرية, ساعد عبد المطلب جد الرسول في حفر بئر زمزم عندما دعاه لذلك فلم يتردد في المساعدة وأنشد شعراً في ذلك, قال عنه عبد المطلب : ما وجدت أحداً ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد!
ولا نعرف ما العلم الأقدم الذي يقصده عبد المطلب، ولكنه قد يقصد الديانة الحنفية والإبراهيمية مثلاً, ويبدو أن خويلد ورث هذه الشجاعة من أسد وكذلك العلم والشعر والثقافة, فلقد خرج من أبناء أسد خديجة سيدة العالمين، وكذلك ورقة بن نوفل والزبير بن العوام وطليحة بن خويلد.
عندما أرسلت خديجة تفصح عن رغبتها الزواج من ابن عمها محمد, ذهب لإخبار عمه الذي أخبره بأن هذا رزق سيق إليه, إنها امرأة واعية ناضجة وغنية, من كانت ستصلح أن تكون زوجة رسول الله غيرك يا خديجة؟
عندما نزل الرسول من الغار يرتجب ويقول: زملوني زملوني, كان أول من أخبره بالأمر خديجة, كانت السيدة الواعية تتقن الإصغاء وتشارك زوجها في كل شىء , حتي الغار , فلقد كان محمد صلوات الله عليه قبل الرسالة يختلي بنفسه بحراء كانت السيدة تذهب إليه بالطعام وتشاركه خلواته وهي في سن الخمسين.
بينما النبي تحت دثاره مرتجفا إذ نظرت الزوجة له مبتسمة تقول : كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
إنه وعي السيدة خديجة بأن أخلاق المرء ستحفظه من كل سوء , وأن الله لا يخزي أصحاب الأخلاق , لقد كان كلامها كالبلسم على قلب زوجها المتسائل عن حقيقة ما حدث, كان دائماً ما يجد زوجها عندها السكينة والسكن.
لقد كانت جنته حينما تحولت الدنيا كلها ضده, إنها بالوعي الكافي لتجعل من منزلها سكناً لزوجها صاحب الرسالة؛ بحسن الإصغاء والمشاركة والطمأنينة، فلم تكن ندابة ولا نهابة ولا تعرف الشكاية والقلق، ولم تتكبر قط بمالها وحسبها، ولم تتفضل قط على زوجها وبعلها , لقد كانت الزوجة جنة زوجها.
أخذته لابن عمها ورقة بن نوفل, شاركته همه من أول لحظة وحاولت بعقلانية فريدة أن تحل اللغز, قال ورقة بن نوفل الأسدي: أن ما رآه محمد بالغار هو الناموس الأعظم الذي ظهر لأنبياء من ذي قبل، وأن مكة ستواجه رسالته هذه بعداوة كما فعل الأسبقين, كانت خديجة تسمع ما يقوله ابن عمها لزوجها, رسالة من السماء, مواجهة وطرد ونفي, قتال ومعركة, وإنها المرأة التي تجاوزت الخمسين !
حاولت خديجة بدورها أن تتأكد بما يشعرها حدسها به, إن لهذه المرأة التي تقدر المبادئ والأخلاق أكبر تقدير حدس يستطيع تمييز الخير من الشر, حاولت أن تساعد زوجها بنفسها, شرعت تمتحن برهان الوحي لتثّبت قلب زوجها، فقالت: “أَيْ ابْنَ عَمّ أَتَسْتَطِيعُ أَنّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك هَذَا الّذِي يَأْتِيك إذَا جَاءَك؟ قَالَ : نَعَمْ، قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَك فَأَخْبِرْنِي بِهِ.
فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ لِخَدِيجَةَ يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي، قَالَتْ : قُمْ يَا ابْنَ عَمّ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى ؛ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ فَجَلَسَ عَلَيْهَا ، قَالَتْ هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَتْ : فَتُحَوّلْ: فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى.
فَتَحَوّلَ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ فَجَلَسَ عَلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى ، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَتْ : فَتَحَوّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي .
فَتَحَوّلَ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا . قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فلما فَتَحَسّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا ، ثُمّ قَالَتْ لَهُ: هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَتْ: يَا ابْنَ عَمّ اُثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَوَاَللّهِ إنّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ
الرواية مذكورة في سيرة ابن هشام ـ وبغض النظر عن صحتها أو لا ـ فإنها تدل وتثبت ما نحن بمحل النظر فيه أن السيدة خديجة شاركت زوجها الهم وكان لها من الحدس ما يجعلها تميز بين الخير والشر، وما يجب أن يكون عليه الشيطان، وما يجب أن يكون عليه الملاك .
كان أول من آمن بالرسول من البشرية جمعاء, لقد آمنت بزوجها ورسالته برغم ما سمعته من الطرد والحروب, ستخسر تجارتها وحياتها ورفاهيتها وهي امرأة تجاوزت الخمسين, آمنت بزوجها وساندته، ولم تكن من الغابرين, كانت واعية بالقدر الذي كان يحفز زوجها على كل ما يلقاه من الأقربين والأبعدين. لم تكن بالمرأة التي تعرف الحنق والضيق والضجر أبداً كانت دائماً مبتسمة تبحث عن حل لكل مسألة ومشكلة بوعي وعقلانية ونضج, لقد خاصمتها نساء مكة وتم تطليق بناتها بسبب رسالة أبيهم, لم تندب حظهم ولم تتشاءم وتتبرم كطبيعة أصحاب القصور في النظر والرؤية، ولكنها كانت من الوعي والكمال والعفة والوفاء ما يجعلها تأبى أن تتبرم أو تنكد على زوجها.
ثم جاء الحصار بشعب أبو طالب, تركت بيتها وحبست ثروتها ونامت على الحصباء بين الجوع والعطش مع زوجها, وهي راضية قانعة مبتسمة متفائلة مستبشرة, حتى فوق الحصباء كانت تواسي زوجها وتحفزه وتسانده وتشجعه وتزيل همه وتخفف كربه, حتى وهي تعاني الجوع والعطش كانت جنته, سكنه وسكينته, لم تضجر ولم تتأفف ولم تستجر ببيتها الأسدي أن يغيثها. شاركت زوجها ونامت على الحصباء وعانت الجوع والعطش, فكله هين طالما هي زوجة صاحب الخلق العظيم صاحب الحديث الصادق والقلب الوفي, هي الآن معه بدون مالها ولا حسبها, هي له وهو لها وهما الاثنان لله.
إنها حياة خديجة المثالية , لهذا خلقت خديجة , للقيم والمباديء وللنضال من أجلها , فهي لم تفوت الرجل الذي رأت من سمو أخلاقه ما حرضها أن ترسل في طلب الزواج منه، ولم تفوت هذه الرسالة التي تحث على الفضيلة والأخلاق فكانت أول من أسلم علي وجه الأرض لله رب العالمين.
أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ؛ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلامَ مِنْ رَبِّهَا ـ وَمِنِّي ـ وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ.
بعد الحصار مرضت السيدة خديجة, وماتت! كيف رثاها الرسول, إنها السيدة التي لم يشبع الرسول من ذكرها وذكر فضائلها طوال حياته, كان كلما خفت الأحداث بسيرة الرسول يتفرغ للحديث عن خديجة, حتى قالت عائشة: إنها تغار من خديجة؛ لكثرة ذكر الرسول لها.
فتقول السيدة عائشة كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها؟ فغضب الرسول وقال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء، قالت عائشة بعدما رآت الرسول غاضباً : فقلتْ في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبّةٍ أبداً.
كان أبرز خلق بالسيدة خديجة بعد الصدق والمحبة خُلق الوفاء , لقد كانت فيضاً من الوفاء فلا تنسى الفضل، ولو كان صغيراً، وتتحاشى عن السيئة ولو كانت كبيرة, وكانت وفية لرسول الله حتى موتها, وقد علمت بناتها الوفاء.
فعندما أسر أبو العاص بن ربيع بغزوة بدر, وهو الذي رفض أن يطلق زينب، عندما طلب منه سادة قريش, ذكرت زينب لزوجها العشرة حتى بعدما فرق الإسلام بينهما فدفعت بقلادة أعطتها أمها خديجة من قبل، لتدفع للمسلمين ولرسول الله فدية لأبي العاص زوجها السابق, فرأى الرسول القلادة, عرفها, قلادة خديجة, رق للقلادة رقة شديدة,
قد يكون أمسكها وتذكر تلك السيدة العظيمة الناضجة الواعية الحنونة الوفية زوجته التي كانت مسكنة وسكينته وملاذه في أيام الشدة, أول من آمن به على الأرض, قد تكون هناك دمعة حارة نزلت من عيني رسول الله صلوات الله عليه طلب من أصحابه قائلاًَ : ” إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا ، وَتَرُدّوا عَلَيْهَا مَالَهَا ، فَافْعَلُوا ” فَقَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ . ففعلوا.
عند رجوع الرسول لمكة فاتحاً بجيش قوامه عشرة آلاف جندي , أمر بأن تعقد خيمته بقبر زوجته خديجة ويتردد على أسماعه كلامها : لا يخزيك الله أبداً.
ما أحوج الأمة للمرأة الخديجية, الواعية الفاضلة الوفية الناضجة القوية الصابرة, التي تختار الأخلاق على الغني، والرسالة عن الرفاهية والقيمة عن المتعة الزائلة, تلك المرأة التي تعرف الطريق جيداً لسعادتها, فلا هي كائن استهلاكي مادي، ولا هي كائن ذائب متماهي بلا هوية ولا رؤية ولا غاية.
أختاه! إنني أضمن لك طريق خديجة, أضمن لك أنه الطريق الصواب, طريق سيدة العالمين, الطريق الذي قد تسلكه القليلات في هذا الزمن، ولكن صدقيني من يرزقه الله بسالكين هذا الطريق يسعد في الدنيا والأخرة , اسلكي طريق الفضيلة والمباديء ولن تندمي, فإني أري أن الأمة الناهضة تحتاج لروح كروح امرأة خديجية أكثر مما تحتاج لسواعد الرجال والفحول, فما أحوج الرجل الصالح لخديجة حياته تلك التي تجعل مسكنه جنته, تشاركه همه وتكون به أول المؤمنين, فكما رزق الرسول بحب خديجة، فأكرمنا يا ربنا بخديجة حبنا.
The post اختيار خديجة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست