الصفحات

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : الحلولية الخفية في التنمية البشرية

لا يوجد شيء أسرع انتشارًا في عالمنا العربي من التنمية البشرية، والتي أصبح عدد مدربيها وعدد الكتب والمحاضرات المطبوعة والمرئية منها أكثر مما يحصى، وأود أن أؤكد أنه لا مشكلة عندي إطلاقا مع التنمية البشرية التي تعتمد على مناهج الإدارة الحديثة حيث كونها أدوات ووسائل ونصائح عامة للتخطيط وحل المشكلات، بل إنني أستفيد منها دائما، إنما المشكلة الحقيقية في التنمية البشرية التي تقدم نفسها فلسفة ومنهجًا معرفيًا للحياة أو تلك التي تقدم نفسها علاجًا نفسيا وروحيا!

 

ولن نخوض في ممارسات مدربي التنمية في عالمنا والتي تمتلئ بكثير من المغالطات المنطقية، والاعتماد على الثغرات النفسية التي تمكنهم من إقناع الناس بما يقدمونه كمشاهير السحر العالمي، ناهيك عن أنهم دائما ما يكونون استشاريين ومعالجين ومتخصصين وباحثين وخبراء في عدة مجالات لم نسمع بها من قبل… إلخ! حتى إن أحدهم أطلق على نفسه لقب جنرال! كما يحملون عشرات الشهادات المعتمدة والتي غالبا ما تكون عالمية رغم حداثة سنهم!

 

ويرجع سبب إقبال الناس المبالغ فيه على أفكار التنمية البشرية إلى سببين؛ أولهما أنها تقدم تفسيرات مادية اختزالية سهلة وسريعة لا تكلف الإنسان عناء البحث والتدبر، ثانيهما أن كلنا لدينا تلك الرغبة في النجاح وتطوير ذواتنا ولا أحد يمكنه أن يرفض من يقدم له هذا النجاح بطريقة أبسط ما تكون، بغض النظر عن واقعيتها من عدمه، فمن ذا الذي يرفض أن يعيش في نعيم الدنيا! فطريقة تسويق أفكار التنمية البشرية أشبه بطرق تسويق الشامبو التي ستجعلك سعيدًا ومشهورًا ومحبوبًا من الجنس الآخر لو استعملتها!

 

وحيث أن التنمية البشرية ذات نشأة غربية في أسسها ومبادئها وقيمها، ولم يقم العرب إلا بترجمتها وحشر الآيات والنصوص المقدسة فيها، وتعريب القصص الواردة مع قليل من البهارات العربية والتي تُرضي الزبون العربي! فحتى نستوعب ما فيها من أفكار وقيم خفية علينا أن نتتبع تطور المعرفة الغربية ونماذجها الإدراكية، والتي صاغت لنا الأسس العامة لأفكار التنمية البشرية علمًا بأن عملية النقل كانت تأتي متأخرة دائمًا.

 

بدأت المعارف الغربية أولا بفترة الاستنارة المضيئة بعد استبعاد الإله من المنظومة المعرفية، وحلول الإله في الإنسان الذي أصبح مركز الكون، وإعلاء قيمة العقل الإنساني – المادي بطبيعة الحال – وهو ما ظهر جليا في المقررات الأولى للتنمية البشرية من إعلاء لقدرات الإنسان العقلية، وقوة العقل الباطن، والمارد الداخلي الذي عليه أن يستيقظ! وكانت أغلبها تكتيكات لزيادة الثقة في النفس والتفكير الإيجابي… إلخ.

 

ثم سرعان ما ضربت الموجة الثانية المعارف الغربية فيما يعرف بالاستنارة المظلمة، حيث قضت على أسطورة العقل ومركزيته، وأصبح الامتثال للطبيعة وقوانينها هو غاية المعرفة! وحل الإله والإنسان في الطبيعة والتي أصبحت مركز الكون الجديد، وهو ما تبعته مقررات التنمية البشرية بضرورة رضوخ الإنسان لقوانين سرية كونية كقانون الجذب والطاقة الحيوية و أسرار النعيم… إلخ!

 

فإنك لو تماهيت مع قوانين الطبيعة السرية ستعيش في حالة هدوء وانسجام نفسي وتصل إلى السعادة الكاملة وتعيش الجنة الأرضية! وهي قوانين تدور في أغلبها عن ملكوت من الأسرار الكونية والقوانين الخفية والسرابيل النورانية التي ستقيك من الفتن، وتزيد من دخلك المادي وتحقق لك نضرة النعيم! تلك الأسرار التي لم يأتِ بها نبي من قبلهم وتلك الرسالة السامية التي تضاهي رسالة الدين ذاتها! وطبعا تمنح هذه الأسرار لمن يملك ثمنها! لأن هناك مؤامرة من بعض الناس ليحجبوا عنك هذه الأسرار!

 

ورغم أن تلك الرؤى هي ذات طبيعة علمانية بحتة، إلا أن قدرة أغلب هؤلاء المدربين على تحريف الكلم عن مواضعه وتأويل الآيات بعبث كي تتوافق مع مناهجهم العقيمة؛ فائقة! فهم لم يقوموا باستبعاد الدين هنا كما في الحالة الغربية، إنما قاموا باستيعابه وإعادة تفسيره وتأويله كي يتفق مع تلك الأفكار العلمانية بقصد أو دون قصد.

 

والسعادة هنا على سبيل المثال، والتي تطمح مقررات هؤلاء للوصول إليها؛ هي العودة إلى الحالة الجنينية عندما كان الإنسان طفلا في رحم أمه، فلا ثنائيات ولا جدال ولا تدافع، ولا مسؤولية خلقية، ولا قرارات أخلاقية تتطلب الاختيار الحر بين الخير والشر، بين الصواب والخطأ، ولا تدافع بين حق وباطل، فكل شيء نسبي.

 

إذًا فكل ما عليك فعله لتصل لهذه السعادة هو تحويل بصرك عن المظلومين الذين ظلموا أنفسهم في واقع الأمر! فهم يسحبون منك الطاقة الإيجابية ويعطلونك عن تحقيق أحلامك المادية في الوصول للنعيم الأرضي!

 

مِن هنا يظهر الإنسان ذو البعد الواحد الذي فقد أي مقدرة على تجاوز ذاته الضيقة، فلم يعد له أهداف ولا غايات فهو إنسان حركي نسبي، لا يرتبط بأي ثوابت سوى تحقيق المنفعة واللذة الحسية المادية.

 

وذلك هو جوهر كل الحركات العلمانية والتي تعد التابعين لها بإنهاء التدافع في الكون وتحقيق الفردوس التكنوقراطي، فيدخل الكل في عالم السيولة الشاملة اللذيذة المخدرة للأعصاب، عالم ما بعد الحداثة الذي لا مركز فيه ولا هامش ولا مرجعية.

 

ويتجلى العقل الحلولي بالانسحاب من العالم التاريخي المركب في رغبته الجنينية للهروب من التركيب والتجاوز في إلغاء الزمان، فيرتبط بالمكان فقط (فعلينا أن نتخلص من الميراث العفن في فهم الدين! هكذا قال أحدهم) فالزمان هو مجال النمو والنضج والانتصار والانكسار والنجاح والفشل، أما المكان فهو معطى حسي ثابت يسهل إدراكه. وإلغاء الزمان يتم بالتمسك بعقيدة التقدم الحتمي والمستمر حتى نصل للجنّة الأرضية ونهاية التاريخ، حيث تتحقق كل الأحلام وتذوب الذات تماما، وهو ما سيوصلنا لنهاية الإنسان نفسه! وهذا ما لا يدركه كثير ممن يروجون مثل هذه المفاهيم.

 

ونهاية الإنسان تظهر بسبب حالة التنميط التي يصمم عليها مروجو التنمية البشرية، حيث ذلك القانون العام الذي يسري على كل البشر في كل مكان وزمان! مما يصيب الإنسان في نهاية الأمر بحالة اغتراب؛ فيفقد بذلك العلاقة مع مشاعره الدفينة والعميقة والتي ينبغي ألا تظهر، فإنسان التنمية البشرية إنسان قوي ناجح شجاع إيجابي… إلخ، لا يعرف الضعف ولا الفشل ولا الخوف ولا السلبية! تلك الصلابة تفقده الإحساس بالمعنى وبالتالي يتحول إلى شيء قادر على التعامل مع الأشياء المادية بامتياز، ولكنه يخفق في التعامل مع كل المشاعر الإنسانية المركبة والغامضة والتي لا تسير وفق قانون عام واحد، فهو يعجز عن الحب مثلا على الرغم من أنه متفوق جدًّا في معرفة فن الإغواء والاختلافات بين كوكبي المريخ والزهرة!

 

وبالتالي يعوض إنسان التنمية البشرية هذا الفراغ الشعوري بحالة أخرى من الحلولية وهي الصوفية! كمجرد سلوك ظاهري سطحي، مقتصرًا فقط على حفلات الإنشاد والمولوية لتخدير النفس روحيًّا. هذه الحالة من الذوبان بين الإنسان والإله والكون تجعل رغبات الإنسان هي قدر الإله، هي ذاتها قوانين الطبيعة!

 

فتتحول كل مشاعره وعلاقاته إلى طبيعة تعاقدية مادية؛ فكل خُلق له أسباب نفعية ستعود عليه كما تم وعده بفعل قانون الجذب وتلك القوانين العجيبة الأخرى!

 

وبسبب الحيل الدفاعية النفسية التي يقومون بها في إيهام أنفسهم بأنهم يمتلكون مفاتيح الكون وأسراره، فهم يرون أنفسهم أفضل من غيرهم، وأن النعيم الذي هم فيه سببه حسن تفكيرهم! وبالتالي هم في تصرفهم ذلك أقرب للشيطان الذي قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين!

 

فالثقة بالنفس هنا بدلا من أن تكون حصيلة مجهود واقعي لعلاج الخلل النفسي الذي يصيبنا جميعًا، تصبح غطاء بلاستيكيًا يغلف نفسًا مريضة ولكنها واثقة من نفسها! فلا يمكن علاجها ولا يمكن النقاش معهاحتى، كما هو حال أغلب مدمني التنمية البشرية. فهم إن أحسوا أن حجتهم ضعيفة يلجأ كل منهم إلى التجاهل وإنهاء الحوار بالطريقة التقليدية البلاستيكية، فيبتسم ويقول لك تشرفت بالحديث معك شكرًا على مرورك الكريم! أو أي كلاشيهات أخرى مبرمجة في عقولهم وكأنهم أشبه بإنسان آلي مبرمج يتحرك ويشعر وفق برنامج معد سلفًا، وهم أبدًا لا يقدرون، بل لا يحاولون الخروج عن تلك البرمجة، فهي منطقة الأمان بالنسبة لهم، تلك المنطقة التي يرون فيها الأمور كما يرغبون في رؤيتها لا كما هي في حقيقتها.

 

فالمسألة كلها تتعلق بالتركيز وبالتحيز الإدراكي، فالعالم لن يتغير إن غيرت طريقة تفكيرك، أنت ستراه قد تغير لكنه لن يتغير دون عمل وكد وتعب وتدافع بين الحق والباطل، بين الخير والشر الذي يترافق معه لحظات انتصار ولحظات انكسار في عملية تراكمية، ذلك التدافع الذي يصمم البعض على إنهائه كي يصلوا إلى الجنة الأرضية ونهاية التاريخ، وهم بذلك سيصلون إلى نهاية الإنسان نفسه وما يشعرون.

 

The post الحلولية الخفية في التنمية البشرية appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست