عندما تُظلم الحياة وتتعقد شخصية الإنسان بثراء فكري أو مواهب فنية أو أدبية بشكل يُصعب مهمة فهمه بالنسبة للآخرين يطرأ على تصرفاته نوع من التوحد مع الذات بحيث لا يستطيع أن يُعبر بسهولة عما يجول فى خاطره إذا ترك نفسه للاختلاط الدائم مع من حوله.
ولأنه لا يشاركه أحد اهتماماته بشكل حقيقي يلجأ إلى احتضان روحه التائهة بعيداً عن مضايقات الناس وتطفل المجتمع الرافض لأى اختلاف أو حتى تميز!
عندئذ يعتقد ذلك الإنسان الوحيد أن حياته مدمرة وأنه على خطأ طوال الوقت فقط؛ لكونه مختلف فى طباعة وتصرفاته عن غيره، ومهما كان تميزه أو إنسانيته فإنه يظل فى حالة شك فى قدراته ومنهج حياته، لكن تظل الحقيقة الصادمة لكثير من الناس بأنه لا موهبة دون وحدة ، ولاعبقرية دون وحدة، ولا فن حقيقى دون وحدة، ولا إضافة لمعارف البشرية دون وحدة، والأهم إنه ما من فيلسوف أو مفكر أو فنان أو شخصية ملهمة تعرفونها، إلاّ وكانت الوحدة هى الصديق الأبرز لأغلب مشوارهم.
وسيصدم الكثير منا إذا علم بأن كل البشر يعانون من إحساس الغربة المرتبط بالوحدة، ولكن بدرجات متفاوتة، ولكن ثمة فارق بين العوام الذين يعانون من ذلك وبين الشخص الذى تتملكه موهبة أو علم أو تمرد من نوع ما مع حالة وحدته، فهذا الأخير وحدته تنتج للبشرية ما تعجز عنه جماعات وملايين من البشر المنغمسين فى كل تفاصيل الحياة اليومية مع غيرهم.
أما الشخص العادي الذي يبتعد تماما عن الناس لسبب شخصي أو نفسي فوحدته مرض انطوائي لا علاقة له بحالة التوحد مع الذات التى أتحدث عنها، والتى هى غير المرض النفسي (الانطواء) ولا علاقة لتلك الحالة قطعاً بمرض (التوحد ـ Autism)، بل الذى أوصفه هو حالة تنتاب الإنسان المفكر والموهوب، وهي حالة داخلية، ليس لها أي انعكاس كبير على واقعه من حيث القيام بواجباته الطبيعية بالحياة الاجتماعية، بحيث تراه يخاطب الناس ويمارس الحياة بشكل طبيعي، لكنه داخلياً فى صراع دائم بين ما يحياه وما يتخيله، وبين أفعال مجتمعه وبين قناعته، صراع حقيقي بين فكره وفلسفته، وبين واقعه وبيئته، ومن هنا تنطلق موهبته لتعبر عن ذاته الكامنة التى لا يعرفها عنه من يخالطوه يومياً فى تفاصيله، وهنالك يبرز إنتاج ذلك الشخص (الوحيد ـ المتوحد بغربته الداخلية).
وأهم مجالات الاندفاع لتلك الحالة هى الفنون بمختلف أنواعها والكتابة والتفلسف ومجالات الفكر والثقافة والإصلاح النظري للمجتمعات وعلوم الانسان، فتجد ذلك الشخص الوحيد شعلة ذهنية من الأفكار الملهمة وحقيقته الداخلية تسطع فى ضوء شمس الحقيقة الواقعية، من خلال (موهبته) فقط، التى ما إن تقدم ما لديها تعود فوراً لحالة الوحدة ويشعر المجتمع بأن هذا الشخص عادي وأقل!
ولو بحثنا عن تاريخ كل الفنانين العظماء والفلاسفة الكبار والمصلحين الملهمين لوجدنا حالتهم النفسية والعقلية تشبه إلى حد بعيد حالة الوحدة والغربة بين داخلهم وواقعهم، ومن هنا تجسدت فى ابداعاتهم أكثر إنتاجات الإنسانية البعيدة عن المادة خلوداً وتميزاً.
ولقد اتخذ الفلاسفة من التوحد سبيلا حقيقيا لإنقاذ أنفسهم والبشر، وتمثل (الانعزال) فى أعلى مسالكه لدى التصوف ليشكل حالة روحيه غاية فى الدقة والتأمل، بل لم يوجد نبي أرسله الله، لم يعان من الغربة بين قومه، ولم ينعزل فى فترات، لكي يعود لهم محمل برسالته التى تحل مشاكلهم.
لذا لا تعد الوحدة أمراً سلبياً من الأصل، إلاّ إذا غلب عليها الخواء الروحي، والفراغ النفسي وهذا ليس موضوعنا؛ لأننا نتحدث عن الإنسان الممتلئ روحياً وعقلياً، والذي يؤدي واجبات الحياة، لكنه غريب عن مجتمعه ومتوحد مع أفكاره وذاته التى تتجسد فى مواهبه وتظهر فى إنتاج ما يخص تميزه.
ولو تطرقنا للأمر فلسفياً سنجد صورة واضحة للوحدة، وذلك الإنسان المسمى (النابت) فى فلسفة بن باجه والفارابي، وسنجد أسماء أخرى لنفس الحالة كسجين الكهف فى جمهورية أفلاطون الفاضلة، ومثل الهارب والمنعزل فى كثير من أدبيات الفلسفة أو المعتزل والمتوصف والراهب فى أفكار الصوفية بكل الأديان.
حتى عندما قام ابن رشد بثورته الفكرية ضد الفقهاء اختار شخصية الفيلسوف المتوحد فى مواجهته للمتكلمين والفقهاء والعوام على حد سواء؛ ذلك لأن أهم ما يميز أفكار تلك الشخصيات بجانب الوحدة هو الفكر الحر البعيد عن التلوث بمحدودية النظرة الاجتماعية التى تخص مجتمع دون آخر.
والإلهام الذى يستقي الوحي من منابعه الربانية وتأملاته الطبيعية والكونية بدون أي وسائط تشوه الحقيقة أو تغير الواقع المماثل للحق ومن هنا ينتج ذلك الإنسان بناء جديد فى مدينة الاغتراب البعيدة عن السجون والمحلقة فى حرية أبدية يراها بوضوح عقله وتترجمها روحه ببراعه لكل إنسان، لم تلوثه أمراض مجتمعه!
من كل ذلك لا يتضح لي أن هناك أية مشكلة فى الوحدة، بل الغريب والاستثنائى أن لا يكون الإنسان، إلاّ حيث يتشابه مع جموع غيره؛ ليتوه فيها بعيداً عن ذاته المفتقدة أصلاً لشيء يميزها عمن حوله!
The post الوحدة ليست استثناء مرضى! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست