الجمعة، 16 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : رماد العصر الذهبي

تحفل مناهجنا التعليمية بدروس عن العصور الوسطى، درسنا أنها تلك الفترة التي دامت قرونا تفرد أجنحتها المعتمة وتنشر الجهل والأمراض وكل ما يمت للانحطاط بصلة في ربوع أوروبا، لدرجة أن وصفها المؤرخ الإنجليزي جيبون بألف سنة من الهمجية والدين.

غير أن الأمر لم يكن كذلك تماما؛ ففي الوقت الذي كانت معظم القارة ترزح في الظلام تحت سلطة الكنيسة وتسلطها، كان هناك في شبه الجزيرة الأيبيرية عالم آخر، تشع قبسات نوره للخارج، عالم راقٍ قد قطع أشواطا في بناء الإنسان و العمران في مختلف ميادين الحياة.

شبه الجزيرة الأيبيرية والفتح

كانت إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تشكو الاضطراب والفساد الاجتماعي، والتأخُّر الاقتصادي وعدم الاستقرار؛ نتيجة السياسة ونظام المجتمع السائد، والسلطة الفاسدة، لكن هذا لا يعني أن هذه السلطة لم تكن قادرة على الدفاع، كما لا يعني انعدام قوتها السياسية والعسكرية؛ بل كان بإمكانها أن تصدَّ جيشًا مهاجمًا وتُحاربه وتقف في وجهه؛ فقد أقام القوط في إسبانيا دولة اعْتُبِرَتْ أقوى الممالك الجرمانية حتى أوائل القرن السادس الجرماني، وبقيت بعد ذلك تتمتَّع بقوة عسكرية مُدَرَّبة وقوية، تقارع الأحداث وتقف للمواجهات.

سنة 92هـ/711م حط المسلمون الرحال بالأندلس تحت إمرة طارق بن زياد بعد أن عبروا المضيق الذي سمي على اسمه، وانتصروا على مملكة القوط الغربيين في معركة وادي لكة، ليلحق بهم موسى بن نصير إثر الوصول إلى طليطلة و ينطلقوا في ربوع البلاد فاتحين.

 

يقول لوبون في كتابه حضارة العرب : ” إذا رجعنا إلى القرن التاسع من الميلاد وما بعده، حيث كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا ساطعة جداً رأينا أن مراكز الثقافة في أوربا كانت أبراجاً يسكنها (سنيورون) متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرؤون، وأن أكثر الرجال معرفة كانوا من الرهبان المساكين الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم؛ ليكشطوا كتب الأقدمين بخشوع، ودامت همجية أوربا حتى القرن الحادي عشر، حين ظهر فيها أناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم فولوا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة وحدهم “.

 

مير
نهضة الأندلس

ما إن استقرت أحوال الأندلس تحت حكم صقر قريش عبد الرحمن الداخل 113 هـ/731 م – 172 هـ/788 م ، حتى بدأ الاهتمام بالعلوم والثقافة والتربية يأخذ مجراه بصورة متنامية، انطلاقا من “اقرأ” وإيذانا ببناء أمة مبدعة في شتى المجالات، فكانت هناك مكتبة في كل مسجد واحتوت هذه المكتبات على كل أنواع الكتب (دينية وثقافية) ، وفي عهد محمد بن عبد الرحمن الأوسط (207 هـ/823 م – 273 هـ/886 م) بدأ المؤرخون يُشيرون إلى المكتبة الأموية كواحدة من أشهر مكتبات قرطبة، واشتهر الأمير عبد الرحمن الناصر بحب الكتب، وعمله على نشر المعرفة في ربوع البلاد؛ فابتنى في قرطبة وحدها سبعا وعشرين مدرسة، وأدخل إليها الفقراء من الطلاب مجانا، وصارت قرطبة في عهده منارة تجتذب إليها الأدباء والعلماء والفنانين.

حتى أن قيصر قسطنطينية حينما أرسل إليه سفارته الشهيرة، حرص أن يهديه كتابين من ذخائر الأقدمين هما كتاب ديقوريدس عن الأعشاب الطبية و تاريخ أورسيوس .

مير1

الحركة العلمية في عهد الحكم

لقد نهضت الحركة العلمية في فترة الخلافة الأندلسية نهضة شاملة، وكان من مظاهرها اتضاح الشخصية العلمية للأندلس واستقلالها. فقد شجع الناصر وابنه الحكم المستنصر (302 هـ/915 م – 366 هـ/976 م) العلماء المشارقة القادمين إلى الأندلس وأغدقا عليهم العطاء، و كان للحكم عمال وظيفتهم الوحيدة هي جمع الكتب من مشارق الأرض ومغاربها: من بلاد المسلمين، ومن غير بلاد المسلمين، فإذا جاؤوا بكتاب في الفلك أو الطب أو الهندسة أو غيرها من أي بلد غير إسلامي ترجم على الفور وضم إلى المكتبة الأموية، وقد وسع الحكم بن عبد الرحمن الناصر في المكتبة كثيرا، وجعل لها أروقة عظيمة؛ حتى تستوعب كثرة الحضور من المسلمين.

و قد كثر النسخ في عصره، حتى قال ابن خلدون:” و جمع بداره الحذاق في صناعة النسخ، والمهرة في الضبط، والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلا ما يذكر عن الناصر العباسي ابن المستضيء” ، و لما ضاقت أبهاء القصر الخليفي، عن استيعاب العدد العظيم، من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم على مقربة من القصر صرحا عظيما خاصا بالمكتبة، افتن المهندسون في ترتيبه وتنسيقه، و إنارة أبهائه. و ذكر ابن حزم أن تليدا الفتى – و كان على خزانة العلوم بقصر بني أمية بالأندلس – أخبره أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط .

أمة اقرأ

لم يكن هذا الشغف بجمع الكتب، في عصر الحكم، قاصرا على الأمير، فقد عنى كثير من كبراء العصر وعلمائه، بإنشاء مكتبات خاصة زاخرة بنفائس الكتب. وشغفت النساء المثقفات كذلك بجمع الكتب، وإنشاء المكتبات، ومن أشهر هؤلاء عائشة بنت أحمد بن قادم، وكانت من أبرع نساء عصرها، علما وأدبا و شعرا، وكانت خزانة كتبها من أغنى وأقيم المكتبات الخاصة.
مير2

وكانت سوق الكتب في قرطبة، من أشهر الأسواق وأحفلها بالحركة. بل لقد سرى هذا الشغف باقتناء الكتب إلى النصارى واليهود أنفسهم، وكان الكثير منهم يجيدون اللغة العربية، ويتذوقون ثمرات التفكير العربي من أدب وشعر وفلسفة وغيرها.
ويعد الطبيب اليهودي حسداي من أشهر هؤلاء؛ فقد كان طبيب الحكم الخاص، وفي ظله وتحت رعايته كتب يهود قرطبة باللغة العربية وألفوا بها مختلف الكتب.

وقد حظي الأسقف العالم ريثموندو الإلبيري، المسمى باسمه العربي، ربيع بن زيد، بعناية ورعاية من لدن الحكم؛ لتبحره في علم الفلك والعلوم الفلسفية. ويعد هذا الحبر القرطبي عالما مبرزا، متمكنا من الآداب العربية واللاتينية، وقد شغل مكانة هامة في القصر.

 
ومما ساعد على انتشار الكتب وازدهار الحياة العلمية انتشار صناعة الوراقة في الأندلس حيث تولى الوراقون نسخ ما يظهر من مؤلفات، كما اشتهرت الأندلس بمصانع الورق، وتميزت بهذا الإنتاج بعض المدن مثل غرناطة وبلنسية وطليطلة، وشاطبة، وقد حاز مصنع شاطبة شهرة واسعة في صناعة الورق الجيد، قد نقلها عرب الأندلس من بغداد التي أنشئت عام 794م كما انتقلت منها بواسطة عرب صقلية والأندلس إلى أوربا.

وتمر السنوات لتتربع الأندلس على عرش الحضارة في شتى الميادين العلمية، ففي زمن المنصور بن أبي عامر (327 هـ/938 م – 392 هـ/ 1002 م) برز أبو القاسم الزهراوي في فن الجراحة وعد مؤلفه: ” التصريف لمن عجز عن التأليف” موسوعة لم يؤلف في الطب أجمع منها، حتى أن البعض وصفها بأنها ملحمة كاملة، وليس من الغريب أن تصبح هذه الموسوعة المصدر الأساسي لجراحات الغرب حتى القرن السابع عشر، وتظل المرجع الكبير لدارسي الطب في جامعات أوروبا.

 
والحقيقة التي ينبغي أن لا تغفل أن الجراحين الذين عرفوا في إيطاليا في عصر النهضة وما تلاه من قرون قد اعتمدوا اعتمادا كبيرا على كتاب: “التصريف لمن عجز عن التأليف” للزهراوي . ويقول عالم وظائف الأعضاء الكبير هالّر:” كانت كتب أبي القاسم المصدر العام الذي استسقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر”.

لم تكن الحروب الصليبية سبباً في إدخال العلوم إلى أوربا كما يردد العموم، وإنما دخلت العلوم أوربا من إسبانيا وصقلية وإيطاليا؛ وذلك أن مكتباً للمترجمين في طليطلة بدأ منذ سنة 1130م بنقل أهم كتب العرب إلى اللغة اللاتينية تحت رعاية رئيس الأساقفة ريمون، ولم يتوان الغرب في أمر هذه الترجمة فقد تدفقت العلوم العربية على أوربا من خلال الأندلس بعد أن فتح العرب الطريق عبر جبال البرت إلى فرنسا وإيطاليا، حيث عبر العلم والفلسفة العربيان من خلال رأس الجسر الثقافي الذي أقيم في شبه جزيرة إيبيريا إلى أوروبا

فتيل النهاية

وصل أهل الأندلس إلى قمة الحضارة في زمنهم و حققوا الرفاهية المطلقة إذن، انغمسوا في ملذات الحياة ناسين أو متناسين عدوا يتربص بهم، انشغل ولاة الأمر بالنزاعات الداخلية، وصارت شهوة الملك هي المسيطرة على نفوسهم، لدرجة أن سلمت عدة حصون للأعداء وسقطت أخرى تباعا إلى أن سقطت غرناطة، أجمل مدينة في العالم آنذاك. كان يسكنها أكثر من مليون إنسان في تلك الفترة. مدينة العلم والتأليف والاختراعات. آخر قلاع المسلمين في الأندلس.

مير3
و هكذا فإنه لم تمض بضعة أعوام على تسليم غرناطة، حتى بدت نيات السياسة الإسبانية واضحة نحو المسلمين: حيث بدأت الكنيسة محاولة تنصيرهم بالوعظ و الإقناع، ومختلف وسائل التأثير المادية، بيد أن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج تذكر، لتجنح الكنيسة عندئذ إلى سياسة العنف والمطاردة، متناسية ما قطعته من عهود مؤكدة للمسلمين باحترام شعائرهم ودينهم، وقد مثل روح هذه السياسة العنيفة حبران كبيران، هما الكاردينال “خمنيس” مطران طليطلة ورأس الكنيسة الإسبانية، والدون “ديجو ديسا” المحقق العام لديوان التحقيق الذي مثل أعظم السلطات الدينية و القضائية في إسبانيا .

رماد العصر الذهبي

لم تهدأ أحقاد الكاردينال خيمينس رغم توقيع التنصير المغصوب على عشرات الألوف من المسلمين، وتحويل مسجد البيازين إلى كنيسة سميت باسم “سان سلبادور”، تعدى الأمر هذا ليرتكب عملا أقل ما يقال عنه بالبربري: ففي 12 من أكتوبر لعام 1501، أمر الكاردينال بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية والمصاحف من أهالي غرناطة وأرباضها، ونظمت أكداسا هائلة في ميدان باب الرملة، أعظم ساحات المدينة.

ضمت الكتب العديد من المصاحف البديعة الزخرفة، وآلاف من كتب الآداب والعلوم، أضرمت النار فيها جميعا ولم يستثن منها سوى ثلاث مائة من كتب الطب والعلوم، حملت إلى الجامعة التي أنشأها في مدينة ألكالا دي هنارس، وهي تقع في جنوب غربي وادي الحجارة في منتصف المسافة بينها وبين مدريد.

 
وذهبت ضحية هذا الإجراء الهمجي عشرات الألوف من الكتب العربية، هي خلاصة ما بقي من تراث التفكير الإسلامي في الأندلس، هذا، واختلف المؤرخون الإسبان في تقدير عدد الكتب العربية التي صارت رمادا، فيقدرها دي روبلس E.de Robles، الذي كتب بعد ذلك بقرن كتابا عن حياة الكاردينا خيمينيس، بمليون وخمسة آلاف كتاب، فيما يقدرها برمندث دي بردراثا B.de Pedraza بمائة وخمسة وعشرين ألفا، والتقدير الذي عد أقرب للمعقول كان هو تقدير كوندي الذي قدرها بثمانين.

 

 

مير4

يقول المؤرخ الأمريكي وليم برسكوت عن هذه الحادثة : ” إن هذا العمل المحزن لم يقم به همجي جاهل، وإنما حبر مثقف، وقد وقع لا في ظلام العصور الوسطى، ولكن في فجر القرن السادس عشر، و في قلب أمة مستنيرة، تدين إلى أعظم حد بتقدمها إلى خزائن الحكمة العربية ذاتها.”

 

 

وتبقى عملية الحرق التي أشرف عليها الكاردينال سيسنيروس، دليلا على إصرار الكنيسة فرض نسيان شامل ومسح التاريخ الأندلسي من الذاكرة واقتلاع الشعب الأندلسي من جذوره. إذا علمنا أن مصير الكتب التي نجت كان خزانات الكنائس . ترى هل من محض الصدفة أن تكون بداية عصر النهضة في أوروبا هي نهاية عصر النهضة في الأندلس ؟ مجرد تساؤل!

The post رماد العصر الذهبي appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست