وقع صباح يوم السبت انفجارًا كبيرًا هَزَّ محطة القطارات التاريخية في العاصمة السياسية أنقرة، حيث كان مقررًا تنظيم مسيرة ضد الإرهاب تنطلق من مكان التفجير، وهذا السبب الذي يفسر وقوع العدد الكبير من القتلى والذي بلغ أكثر من 80 مواطنًا وجرح أكثر من 150 آخرين.
كان لهذا الحادث وقع كبير على تركيا التي تعاني من أزمات متتالية وشائكة في الآونة الأخيرة؛ سواءً كانت أزمات خارجية تتمثل في الصداع السوري المستمر منذ سنوات على طول حدودها الطويلة البالغة 900 كم، وتدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا إما استقرارًا فيها أو مرورًا منها إلى أوروبا؛ وكذلك استمرار العناصر القادمة من أوروبا باستخدام الأراضي التركية طريقًا للمرور والالتحاق بتنظيم داعش في سوريا، بجانب الإشكالية المتفاقمة مع النظام السوري متمثلةً في رئيسه بشار الأسد؛ بالإضافة إلى الأزمة الداخلية المتجددة مع حزب العمال الكردستاني، والتي ظهرت بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة وحصول الحزب على 13% من الأصوات مما أهَّلَهُ لدخول البرلمان.
لا شك أن التفجير أعاد الذاكرة إلى سلسلة تفجيرات حزب العمال الكردستاني في سنوات التسعينات في الطرق والمؤسسات العامة، وبلمحة بسيطة إلى ماضي التفجيرات الانتحارية التي نفذها عناصر حزب العمال الكردستاني منذ أغسطس 1996 حتى يناير 2015؛ نجد أن الحزب قام بتنفيذ 15 عملية تفجير انتحارية كانت كالتالي: 3 عمليات عام 1996، 3 عمليات عام 1998، عمليتان عام 1999، عمليتان عام 2001، عملية عام 2003، عملية واحدة في كل من الأعوام 2006 و2010 و2012 و2015 على التوالي.
لكن بالعودة إلى تفجير أنقرة وقراءته سياسيًّا؛ نجد أن اختيار مكان التفجير وهو المحطة التاريخية للقطارات في أنقرة هو في حد ذاته رسالة بالغة الأهمية، فأنقرة هي العاصمة السياسية للبلاد؛ وإن أي اهتزاز للأمن فيها يعني اهتزاز لصورة الدولة وللحكومة التركية وإظهار لعدم مقدرتها على توفير الأمن للمواطنين، وهو ما يسعى إليه الحزب؛ كما أن ارتفاع عدد القتلى في التفجير أعطى صدىً أكبر للعملية.
صدر عن حزب العمال الكردستاني مباشرة بعد التفجير تصريحًا وصفه بالتعميم موجهًا إلى عناصره يدعوهم إلى إلقاء السلاح إلا في حال تمت مهاجمتهم مِن قِبل الدولة؛ وهذا يحمل في طياته الكثير من الدلالات والإشارات؛ أولها: أن الحزب يعي تمامًا أنه ربما يدخل في مواجهة مع الدولة التركية وقد يصل الأمر به إلى مواجهة مسلحة يكون ميدانها الشارع التركي، وهي رسالة كان يقصد منها الدولة التركية بعينها، بمعنى أن الحزب مستعد للمواجهة في أي وقت بل وفي هذا الوقت بالتحديد إن فُرِضَ عليه ذلك.
ثانيًا: أن حزب العمال الكردستاني لم يعد حريصًا على عملية السلام مع الدولة أو إتمامها؛ أو أنه لم يَعُد يراها ذات أهمية في الوقت الحالي على الأقل؛ على الرغم من السنوات الطويلة الماضية وجولات التفاوض والحوار بينه وبين الدولة التركية والوصول إلى مراحل متقدمة فيها.
ثالثًا: لا شك أن توقيت تفجير أنقرة يهدف بالدرجة الأولى إلى استخدام المواطن التركي كوسيلة ترهيبية لمعاقبةالعدالة والتنمية والتأثير على الانتخابات البرلمانية القادمة والمزمع عقدها في أول نوفمبر؛ وهي انتخابات إعادة -في أفضل أشكالها- للانتخابات البرلمانية الأخيرة بسبب عدم تمكن العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة منفردًا، وكذلك عدم استطاعته تحقيق تحالف مع أي من الكتل البرلمانية الأخرى بسبب التباين في الأيديولوجيات الحزبية والبرامج السياسية للأحزاب التركية.
لا خلاف على أن عودة عدم الاستقرار الأمني في تركيا يسعى إليه أطراف عديدة، ليس أقلها إسرائيل التي تمول عسكريًّا حزب العمال الكردستاني ويخطط إليه بلا أدنى شك جماعة فتح الله كولن التي تحولت مِن التحالف إلى الصدام بل والتآمر على الدولة، مرورًا بالنظام السوري الذي يعتبر تركيا شريكًا في المؤامرة الكونية عليه؛ وهدف الجميع هو التخلص من الديكتاتور -كما يصفونه- أردوغان وصولًا إلى تركيا ضعيفة يسهل السيطرة عليها، لكن الأيام القادمة حبلى بالتطورات.
The post تركيا وصُداعها الكردستاني appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست