الجمعة، 16 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : ماذا تعلّمنا من الانتفاضة الثّالثة؟

قد يُعارض البعض إطلاق هذا الاسم عليها، فهناك من يرى أنّها امتدادٌ للانتفاضة الثّانية، والّتي يرى البعض أنّها لم تنتهِ بعد، وهناك من يرى أنّها انتفاضة غير منظّمة، أيّ أنّها ستُسفر عن شهداء دون إحداث أذى في صفوف العدوّ، ووجهات نظر أُخرى تخاف من عنوان “الانتفاضة الثّالثة” خوفهم أن تهدأ بسرعة، فتفقد كلمة “انتفاضة” وزنها السّياسيّ والعاطفيّ والفعليّ، ولكن هذا ليس سبب المقال الآن.

أحياناً أحاول أن أستنتج من هذه “النّفضات” وجهات نظرٍ جديدة، وزوايا لم أكن أدركها سوى الآن، فأقول لننظر ما الذي خرجنا بِه منها إلى الآن؟

1- جيل جديد:

 

إنّ أعمار معظم الشّهداء إلى الآن والذين ارتقوا في الأيّام الأخيرة لا تتجاوز الـ ٢٧ عاماً، أي: أنّهم كانوا أطفالاً حين ثارت الانتفاضة الثّانية. مرّت بنا جميعاً لحظات، شعرنا فيِها أنّ الجيل الجديد مُتخاذل: جيل الفيس بوك، صرعات الموضة، سَئِمَ القضيّة والنّضال، ولكنّ هذا الجيل أثبت أنّ كلامنا باطِلاً، من كان يعتقد أنّنا سنرى أبطالاً بهذه الأعمار؟ يعيدون لشوارع فلسطين الحياة؟

٢- مناطق جديدة:

رغم أنّني عشت في فلسطين سنوات لا بأس بِها، ولكن لدى سماعي الأخبار يغيب عنّي اسم منطقة ما، أو قرية ما، أو مستوطنة جديدة على رأس أحد الجِبال.

أمّا في الآونة الأخيرة فلقد بدأت هذه الأسماء بالعودة: أصبحت أتعرّف على تضاريس وطني من جَديد: منطقة الطّبقة بقرية دورا والسّموع وخرسا في الخليل، طريق كابول شرق عكّا، كفر كنّا وكفر قاسم في الدّاخل المُحتلّ، نحالين قضاء، بيت لحم، وبلدة الخضرة في جنوبها، شارع جلجولية في قلقيلية .. إلخ.

يبدو أنّ تخاذل كتبنا المدرسيّة عن التّعريف بالمناطق المُحتلّة وكأنّها مناطق ذهبت، ولن تعود، جعلنا ذلك عطشى لتلقّي هذه المعلومات، حتّى ولو من نشرة إخبارية؛ لنشعر أنّه فِعلاً، على تلك الأرض ما تزال حياة، بذرة تًصارع لأجل أن تصبح شجرة!

٣- فلسطين الدّاخل المُحتلّ:

وهناك من يناديها بـ “فلسطين الـ ٤٨” أو “مناطق عرب إسرائيل”. وهذه المناطق فيها حيفا ويافا وتلّ أبيب “تلّ الرّبيع” والنّاصرة وغيرها.

كثيراً ما نسمع أنّها مناطق خالية من المناضلين أو المرابطين، وأنّ كامل العرب هناك قد اندمجوا وتعايشوا مع المحتلّين وكوّنوا علاقات قويّة، ولكنّ مجموعة الاعتقالات الأخيرة في محطّات القطارات الخاصّة بتلك المناطق، في مناطق أم الفحم والنّاصرة أثبتت للكثيرين منّا أن لا نُطلِق الأحكام ونُعمّم التّهم، فبينهم الشّهيد الآن والمُعتقل والمُصاب، تماماً كأهل غزّة أو جنين أو نابلس أو الخليل وغيرهم.

٤- رام الله:

وتوصف من البعض بالمدينة المُنحلّة، والمدينة الخالية من الأخلاق، والمليئة بالحانات والاحتفالات، بعيداً عن كلّ ذلك، فالمواجهات على المدخل الشّماليّ لمدينة البيرة، والذي يبعد عن رام الله ربع ساعة فقط لم تسكن ولم تتوقّف فيها المواجهات، الشّباب قُذفوا يوم السّبت الماضي بمئات الرّصاصات وقنابل الصّوت والغاز منعاً من اقترابهم من مستوطنة بيت إيل. وجنازة “مهنّد الحلبي” والتّي خرجت من مسجد البيرة الكبير تجوب شوارع رام الله كانت الأضخم منذ شهور طويلة، لربّما علينا أن نرى رام الله الآن بأوسع من منظورٍ مليء بالحقد والكراهية، ونتوقّف عن فكرة من “يسوق” الوطنيّة أكثر.

5- حلّ الدّولتين:

في وقتٍ كانت تعتمد الكثير من الدّول على أنّ إدارة أوباما الحاليّة هي التي ستقوم بحلّ الدولتين، واعتمادهم على أنّ المواجهات أصبحت خفيفة، ساعة كلّ يوم جمعة وتختفي، وفي ذات الوقت، كان مشهد الشّعب الفلسطينيّ أمام العالم أنّه لا يعارض حلّ الدولتين؛ فهم لا يرون هذه المُعارضة، ولكنّ المعادلة اختلفت الآن: فإن كان هذا الجيل جيل القرن الـ٢١ ومنهم من وُلِد عام ٢٠٠٢م يُمانِع وجود الاحتلال بتاتاً، فعن أي شعب “متصالحٍِ” مع المُحتلّ تتحدّث الأمم المتحدّة؟ والإدارة الأمريكيّة؟ عليهم إعادة ترتيب أوراقهم السّياسيّة للتماشى مع شباب يرفض الاحتلال.

٦- أيّام الثّورة:

عادت بنا الأحداث الماضية إلى أيّام الانتفاضة الأولى، بنقائها وشدّتها وقوّتها، من لم يشعر بفرحة خفيّة في جنازات الشّهداء عندما توحّدت الأعلام؟ فنزلت جميعها وارتفع علم فلسطين عالياً؟

 

إنّ المناضلين الآن والذين تعتبرهم قوّات الاحتلال “أخطر جيلٍ فلسطينيّ يمرّ على إسرائيل” لا ينتمون بالضّرورة إلى أيّ حزب، ولا يقاتلون باسم أيّة منظّمة، إنّ من نرى صورهم يقاتلون لأجل القضيّة وفقط، لربّما فيديو لشابّ فلسطينيّ يدبك وبيده “المقليعة” قبل أن يرمي الحجر رَدَّني ذلك إلى أيّام الدّبكة على أصوات الثّورة الشّعبيّة من حُنجُرة “أبو عرب”.

عادت ذكريات التّعاون والأخوّة، فالمسلم والنّصرانيّ، والفتحاويّ والحمساويّ، والرّجال والنّساء، والكبير والصّغير، والضّفاوي والغزّاوي، ومن فلسطين الدّاخل والجنوب والشّمال، تملأ أصواتهم الشّوارع والطّرقات. هل تركنا للاحتلال “نوعا” فلسطينيّاً لا يغضب؟

٧- هِيَ أنثى:

وجود المرأة في المعارِك له منظور مختلف؛ فالرّجال قد يوصفون بالإرهاب أو الوحشيّة، ولكن أن تترك أمٌ أبناءها وتذهب لتقاتل! فلا بدّ أنّ السّبب يستحق، انتشار صورهنّ حول العالم وفي الصّحف الأجنبيّة سيحرّك زاوية جديدة من القضيّة، فهي ليست قضية بُنيت على ظهر شباب غاضب وفائر دمه وفقط، وليست قضيّة بُنيت على أب يريد الانتقام لابنه الشّهيد، بل قضيّة تدخّلت في حياة كلّ إنسان، سلبت الجميع حقوقهم، فخرج الجميع ليقولوا كفى!

٨- كغزّة:

لطالما رأى العالم أنّ غزّة لا بدّ أنّها إرهابيّة، وخاصة عندما يقارنونها بالضّفة الغربيّة الهادئة السّاكنة، فيرون أنّ غزّة تفتعل الحروب والمشاكل، وأنّها من “يخز” الوحش الهادئ. ولكن اليوم، يُعلن باقي فلسطين لغزّة أنّه حيّ لم يمت، ويعلن للقُدس أنّه على الولاء سيبقى، وأنّ غزة ليست وحيدة، إنّ توحّد الأطراف الفلسطينيّة للدّفاع عن قضيّة واحدة أقوى أمام العالم من أن ترجح كفّة غزّة وحدها.

٩- أمان:

 

بعد فترة قصيرة من دعايات إسرائيلية لجلب السيّاح من حول العالم إلى عكّا ويافا وطبريّا، واعتمادهم على إحصائيات تُظهر هدوء المناطق السّياحية في “إسرائيل”، جاءت هذه الهَبَّة الجديدة، رسالة لكلّ إسرائيليّ أو سائح لدولة الاحتلال: أنّه لا أمان بوجود الاحتلال. المعادلة بسيطة، كيف يكون هناك أمان عند الاحتلال، والفلسطينيّ يُقتل ويُعذّب ويُسحل ويُسجن؟ إضافة إلى كلّ ذلك، لمن يفكّر بالهجرة إلى “إسرائيل”، ألن يغيّر رأيه؟ ألن يفكّر أكثر؟

١٠- لكلّ فعل ردّ فعل:

رغم أنّ الاحتلال دمّر وقتل كثيراً، ولكن ردود الفعل تفاوت بين خفيفة إلى معدومة، احتجنا لمثل هذه الهبّة والانتعاشة من جَديد. فيقوم رئيس وزراء الاحتلال بمنع الوزراء والنوّاب من زيارة الأقصى “خوفاً” على حياتِهم، ومنعا من التّصعيدات وردود الفعل الفلسطينية: “تُرهبون به عدوّ الله وعدوّكم”.

 

قد يرى البعض ما ذُكر أمراً عظيماً، ويراه الآخر أمراً بسيطاً لا يُستحقّ أن يُذكر، أوّ أنّ القضيّة أعظم وأعمق من هذه النّقاط. ولكنّني إن كنت متأكدة من أمرٍ ما، فهو أنّ كلّ ما ذكر وأكثر هي ملاحظات ستؤرِق المُحتلّ، فنحن نعرف كيف يدرسون كلّ التفاصيل، ويتابعون كلّ الاختلافات، مشاكل جديدة، جيل جديد، طريقة مقاومة جديدة، ردّ فعلٍ دوليّ جديد، وعدم اكتراث ولا خوف لدى الفلسطينيّ من المحتل في سبيل الحريّة مِن جَديد.

 
لعلّها ثورة، لعلّها نبتة نزرعها لأبنائنا، لعلّه شعاع يُحدّد لنا الهدف من جَديد. مَهما كانت، فهِيَ أفضل من السّكوت عن الحقّ، والاختناق بِه.

The post ماذا تعلّمنا من الانتفاضة الثّالثة؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست