كان من المألوف أن تسير في أي شارع بعد ثورة يناير فترى مجموعة من الشباب يقومون بتنظيف الشارع أو طلاء الأرصفة أو زرع الأشجار، هذه المشاهد الراقية بدأها المتظاهرون بميدان التحرير وأعتقد أنها جذبت أنظار العالم لثورة يناير، كان هذا المشهد المثالي هو ما شجعني على التطوع للقيام بأعمال مماثلة، وفعلا بدأت أنا وبعض المتطوعين في كنس عدة شوارع وطلاء أرصفتها حتى فوجئنا برجل يبلغ من العمر ما يقارب الخمسين أو الستين عامًا يخرج من بيته صارخًا فينا بأعلى صوت: “إيه اللي إنتو بتعملوه ده؟!”، جاوبناه أننا نقوم بتنظيف الشارع فأكمل صراخه قائلا: “وبتمدوا إيديكوا إزاي على صندوق الزبالة بتاعي ومين قالكوا أصلًا تعملوا كده؟؟ معاكوا تصريح من مجلس المدينة عشان تعطلوا الشارع وتردموا البيوت تراب كده؟”.
استغربنا كثيرًا من ردة فعله العنيفة فنحن ننظف الشارع، ما الجرم في هذا؟ أهذا هو الشكر على قيامنا بتنظيف محيط بيته والشارع الذي يسكن به؟ أخبرناه أننا متطوعون لتنظيف المدينة وهذا ليس بالشيء الخطير الذي يستحق الحصول على تصاريح، أما صندوق القمامة خاصته فلم نمسسه وإنما فقط جمعنا القمامة المتراكمة حوله ووضعناها داخله ثم سأله أحدنا: “قل لي يا حاج لو حد حب يعمل فرحه هنا جمبك أو افتتاح محل وفضل مشغل أغاني طول الليل بأعلى صوت هتخرج برضه تسأله على التصريح وتهزقه كده؟”، وما أن سمع الرجل سؤال زميلنا حتى هاج كثيرًا: “إنتوا كمان ليكوا عين تتناقشوا؟ إيه قلة الأدب دي؟ إنتوا هتعلموني أتكلم مع الناس إزاي؟ مبقاش إلا شوية عيال زيكوا يعلمونا النضافة كمان، جيل قليل الأدب وعايز الحرق صحيح”.
موقف آخر ..كنت أستقل “الميكروباص” وجلست جواري فتاة وبجانبها جلس رجل في الخمسين أو الستين أيضا، لاحظت أن الفتاة بدأت تتحرك نحوي شيئا فشيئا وكلما اقتربت منّي أجد الرجل المجاور يقترب منها، الأعراض واضحة، إنها عملية تحرش! بدأت الفتاة تتحرك تجاهي أكثر حتى أنني أوشكت على الخروج من الشباك لأفسح لها المكان، طلبت منها أن تضع حقيبتها بجوارها إذ ربما يفهم الرجل أننا لاحظنا سلوكه القذر.
ولكن ما أن وضعت حقيبتها حتى صاح الرجل: “ما تشيلي شنطتك دي يا أبلة مش عارف أقعد”، وكأن الفتاة هي المخطئة لأنها عطلته عن التحرش بها! ولكن الفتاة ردت عليه بصوت أعلى من صوته: “مش شايلة الشنطة ولو مديت إيدك عليا تاني هقطعهالك”، فجأة تدخلت سيدة تجلس أمامنا في الحوار وكانت هي الأخرى في الستين من عمرها تقريبا وقالت: “إيه قلة الأدب دي! في بنت محترمة تفضح نفسها كده؟”، وكأن الفتاة هي من تتحرش بالرجل على مرأى ومسمع من الجميع وليس العكس، تدخلت أنا في الحوار كي أشرح للسيدة أن الرجل هو المخطئ وأن الفتاة لم تفعل شيئا سوى أنها تدافع عن نفسها فحسب، فردت عليّ بحدة قائلة: “وكمان ليكوا عين تتكلموا؟ أنا لو مكانكم أتكسف من نفسي وأسكت، جيل مايع وعايز الحرق صحيح!”.
من هذا الجيل الذي يستحق الحرق نحن أم أنتم؟! هل نستحق الحرق لأننا فقط دافعنا عن نفسنا؟ هل نستحق الحرق لأننا فقط نطالب بحقوقنا؟ هل أصبح مطلب صغير مثل استقلال سيارة أجرة دون أن يضايقنا أحد شيئًا عظيمًا تستكثرونه علينا؟ لماذا تطلب منا هذه السيدة أن نخجل من أنفسنا ونلتزم الصمت؟ ما الجرم الذي ارتكبناه؟ ما هو نوع ملابسنا الخليعة التي تبرر للمحترش فعلته ونحن محجبات؟
وهذه السيدة بالطبع من جيل الستينيات أو من جيل الزمن الجميل كما يطلقون على أنفسهم، الجيل الذي ارتدى الفساتين القصيرة وخرج للشارع بكل حرية ولم يضايقه أحد، لماذا إذن تتهمنا بالعهر على الرغم من ملابسنا المحتشمة كثيرًا عما كانت ترتديه وهي بنفس عمرنا؟ لا أقول أبدًا أن طبيعة الملابس مبرر لهذا التصرف الحقير الذي لا يوجد مبرر لفعله أصلا، ولكني أحاول أن أتخيل لو كنت مكانها أرتدي فستانًا أنيقًا مثل أولئك الذين كانت ترتديهم “فاتن حمامة” بأفلامها وأقص شعري مثلما كانت تفعل “سعاد حسني” ثم أركب المواصلات ليتحرش بي أحدهم وإذا حاولت الدفاع عن نفسي تنهال عليّ اللعنات بسبب ملابسي القصيرة، كيف كانت ستشعر تلك السيدة وقتها؟ ولماذا أضع نفسي مكانها في الوقت الذي لم تحاول هي به أن تضع نفسها مكاني أو أن تكون منصفة بعض الشيء في حكمها؟
لماذا يلعب الكبار دائما على وتر أنهم الأكبر سنا والأكثر علمًا والأصح، وأننا نحن دائما المندفعون قليلو الاحترام الذين لا يعرفون الأدب عندما يتحدثون مع من هم أكبر منهم سنا؟ ثم بعد ذلك يطلقون على أنفسهم (جيل الزمن الجميل) ويبدؤون في التحسر على الماضي كلما تذكروه قائلين أين تلك الأيام عندما كانت مصر نظيفة وبلا زحام؟ أين ذهبت هذه الفساتين الأنيقة التي كانت ترتديها الفتيات؟ لماذا لا يذيعون حفلات “أم كلثوم” و”عبد الحليم” مرة أخرى؟ لماذا أصبحت خطابات “عبد الناصر” وأشعار “الأبنودي” قليلة الانتشار؟ أين ذهبت مصر التي عرفناها؟ ومن ثم يبدؤون في الدعاء على الجيل (اللي عايز الحرق) الذي خرب مصر.
حتى عندما أردنا أن نصحح هذا الخطأ الذي يتهموننا به دائما – رغم أنه لا ذنب لنا فيه – وقمنا بثورة لتطهرنا من الفساد وتدعو للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، كانوا هم أول من اتهمونا بالعمالة والأجندات الأجنبية ووجبات الكنتاكي، أتثورون على رجل في سن أبيكم؟ هل هذه هي الأخلاق التي تعرفونها؟ إنه إذن نفس منطق السيدة التي شتمتنا عندما تحرش رجل مسن بالفتاة الجالسة بجانبي فأبدت اعتراضها، ما الخطأ إذا تحرشنا بكم أو سرقناكم أو حتى قتلناكم؟ هل ستعترضون علينا ونحن الأكبر سنا والأكثر خبرة؟ ما هذه الوقاحة وقلة التهذيب!
نحن السبب في كل هذا الفساد والفقر والبطالة، ملابسنا بشعة وموسيقانا رديئة وأفلامنا هابطة، نحن دائما المخطئون، إذا قُتلنا في الميادين فنحن السبب (إيه اللي وداهم هناك)، وإذا قُتلنا أثناء حضور مباريات الكرة فنحن السبب أيضا لأننا لم ندفع ثمن التذكرة. إذا ضاعت الثورة فنحن السبب، أما لو نجحت فهم السبب بالطبع. إذا دافعنا عن آرائنا ومواقفنا بالقول نصبح عديمي التربية، وإن أخذنا حقنا بأيدينا نصير إرهابيين. إذا حاولنا إصلاح المجتمع فنحن مخربون، وإذا أعادوا لنا الفسدة والقتلة ليتحكموا فينا من جديد يصبحون هم الوطنيين الذين أنقذوا البلد، حتى لو تمكن اليأس منّا وانتحرنا إذن فنحن ضعيفو الإيمان وكافرون بإرادة الله.
حتى إذا اخترعنا آلة الزمن وأعدناهم إلى زمنهم المحبب هذا، أعتقد أننا سنظل دائما وأبدًا جيلًا عايز الحرق.
طبعا تعلمون أن “كل تعميم خاطئ بما فيه هذا التعميم”، هذه بديهيات أحسب الجميع على علم بها.
The post هل نحن من نستحق “الحرق” أم جيل الستينيات؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست