الجمعة، 16 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : هل يكون الحل في تقديم الحل؟

عالم الأفكار عالم لا يحده مكان ولا توصده أبواب، عالم خفي مليء بالصراعات والحروب، والفائز هو من يصيغ عالمنا المنظور،.
“وما ميلتون إلا مثال صارخ على قوة الفكرة وتأثيرها” ناعومي كلاين.

المقال السابق كان مختزلًا بعض الشيء، ولأن اختزال الفكرة قد يكون أشد خطرًا من الجهل بها، أنصح بالعودة إلى كتاب ناعومي كلاين “عقيدة الصدمة – The Shock Doctrine” لتتبع الفكرة ما بين انقلابات أمريكا الجنوبية في الأرجنتين وتشيلي، إلى جنوب شرق آسيا واستغلال الكوارث الطبيعية واقتصاد إعادة الإعمار، إلى دول العالم الأول الناطقة بالإنجليزية وتجربة مارجريت ثاتشر مع خفض الإنفاق الحكومي في بريطانيا “وخلق حالة الحرب حول جزر فوكلاند” إلى حكومة ريجن في الولايات المتحدة، أما عن بلادنا العربية فحدث ولا حرج (يمكن مثلًا الرجوع إلى كتاب جون بركنز “يوميات قاتل اقتصادي”).

ورغم تعدد كل تلك الأمثلة، تبقى الفكرة بسيطة في جوهرها، استخدام – أو استحداث – الصدمات لتطويع الجماهير وجعلها أكثر تقبلًا لشكل “أنقى” من الرأسمالية المتحررة. وبرغم هذه البساطة، شكلت فكرة ميلتون عقدة وثيقة وركنًا ركينًا من الفلسفة الاستعمارية في عصر ما بعد الحداثة، حيث أخذت الجيوش القومية في الاندثار، وحلت البضائع محل الذخائر، وأصبح بإمكانك احتلال البلاد عن طريق الموسيقى وشطائر البرجر، وأصبحت عقائد الشعوب يحددها نوع المياه الغازية التي يستهلكونها!

“كيف نتوصل إلى حل هذه السردية السوداوية؟!” كان هذا هو ذات السؤال الذي طرحته – في طفولةٍ فكريةٍ – على عبد الرحمن أبو ذكري على هامش ندوة لمناقشة رواية ما وكان موجودًا بصفته ناشرها، فأوضح: “مع كل فكرة أناقشها لا أكتفي أبدًا بالتفكيك، ولكن حينما أنتهي منه أبدأ في بناء الفكرة المرجوة”.

فلضيق المساحة اكتفيت بتفكيك جوهر ركن “ميلتون” دون التعرض إلى البناء المغاير، منتظرًا ذلك التعليق المليء بعلامات الاستفهام “ما الحل؟”.

أولًا وقبل كل شيء، يجب أن نتيقن من شيء ما، أنه لا يوجد حل! بمعنى أنه لا توجد خطوات محددة سلفًا يمكننا اتباعها لمحاربة الفكرة، نعم يمكننا محاربة وسائل ميلتون، ويمكننا مقاومة الصدمات، لكن تبقى الفكرة في جوهرها لم تمس.

التفكيك أولى خطوات البناء!

لست متخصصًا في النظرية الاقتصادية، ولا حتى طالبًا في كلية السياسة والاقتصاد، ومع ذلك تبقى أولى خطوات المقاومة الفكرية أو حتى بناء الفكرة الخاصة هي دراسة الفكرة دراسة أكاديمية تحليلية تهتم بمعالمها وحدها وقوتها ومساوئها وتحليلها تحليلًا مبنيًا على فلسفتها وأعراضها.

رد الفعل أم المبادرة؟

بعد التفكيك يبقى هنالك خياران، إما نقض الفكرة من داخلها – من داخل المدرسة – نقضًا أكاديميًا ينجم عنه بناء نسخةٍ منقحةٍ على أنقاض الأولى، أو وضع مذهب مقابل على الطرف الآخر من الثنائية الفكرية، يبقى ذلك الخيار دائمًا هو الخيار الأسهل، ولكنه حكم بالإعدام على الفكرة الوليدة، تمامًا كنموذج الماركسية في مواجهة الرأسمالية والسوق الحر، فمنذ اليوم الأول عرفت الماركسية نفسها على أنها “نقض رأس المال” وكأنها كيان يعتمد في بقائه واستمراريته على وجود النقيض، مجرد رد فعل يحتاج إلى الفعل كي يوجد، بدونه يفقد معنى الوجود.

يمكن تحري هذا النسق وبقوة في أدبيات المعارضة والمقاومة وبالذات في عالمنا حيث تفشى الإفلاس الفكري، فهو دائمًا المسار الأسهل، تعريف فكرتك بأنها “نفي غيرها”، مسار لا يمتلك آليات – أو في بعض الأحيان نية – إحداث التغيير الثوري الراديكالي المطلوب، أما امتلاك المبادرة وفرض الفلسفة الخاصة، فذا مسار مختلف تمامًا.

كيف تصيغ فلسفتك الخاصة في عشر خطوات دون معلم؟!

إذا قالها لك شخص ما، فتيقن أنه إما مختلٌ أو كذاب، تمامًا كذلك الذي يدعي أن هنالك مانيفستو أو طريق أوحد هو الصحيح. حتى الله سبحانه لم ينزل علينا كتابًا من عنده به نظرية سياسية اقتصادية متكاملة للحياة، وإنما ابتعث رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، بحدود يحتد بها المؤمن، فلا يسرق ولا يغش ولا يتعامل بالربا، وأحكام ليرتقي بها الفرد عن حياة الجاهلية – ولعللٍ أخرى قد لا يعلمها إلا هو – ثم العقيدة، بذرة فلسفية، ورؤية مبدئية للعالم، يبني عليها المرء نظرياته وتصوره عن الحياة وما فيها، بما يتوافق مع الأحكام ولا يتعارض مع الحدود.

كيف تصنع إذًا عالم أفكارك الخاص؟ تضرب بعمق تراثك المحلي والعرقي “في حالتنا الإسلامية” باحثًا عن لب فلسفتك، تصيغ قيمك المرجوة في مجتمعك الطوباوي “الجيل الأول”، تدرك موقفك من الأفكار والفلسفات المختلفة والملاحم الفكرية الكبرى، ثم تبني عليها ما يتوافق معها ومع موقع قدميك في عالمك المعاصر وآلاته.

 

 

في تجربة تشيلي، قد يكون سيلفادور الليندي قد بحث مطولًا ووجد أن الماركسية تصلح في مواجهة توغل الرأسمالية في بلاده، ولربما كانت تتوافق مع معتقده، ولكنني أؤمن بأنه كان مخطئًا، فأي أيديولوجيا/فكرة/فلسفة ما هي إلا وليدة اجتهاد عقلٍ بشري في ثقافة ما، وانتزاعها من حاضنتها سيؤدي ولا شك إلى تشوه فكري مركب. لتطوير وإحياء عالم أفكارنا يلزمنا الآن عشرات السنين من التنظير ما بين أروقة الجامعات وأروقة الجوامع، ومن يظن أن هذا إضاعة للوقت فليقل لي كم مائة عامٍ فقدنا – في تخلف فكري منقطع النظير – ثمنًا لتلك العشرات القليلة؟

 

ميلتون صنع عالم أفكاره بما يتوافق مع قيمه وثقافته ونجحت فكرته في الهيمنة على اقتصاد العالم، لا يمكن التحرر منها باستخدام نماذج مستهلكة أو قوالب أثبت الزمن فشلها. اختصارًا، في عالم الأفكار إذا لم تنبع أفكارك عن عالمك وثقافتك فهي الخصم حتى يثبت لك بالدليل القاطع عكس ذلك، حتى ولو لم تشهر بوجهك الأسنة والحراب.

The post هل يكون الحل في تقديم الحل؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست