كنت صغيرة جدًا حينما صحوتٌ من النوم فزِعة لا أستطيع التعبير عن أي مما خالط أحلامي، تكرر الأمر كثيرًا، وتطوّرت أفكاري وكثرت أسئلتي، ولم أجِد وسيلة للتعبير، ولا كنت أعتقد أنِي إن عبرت سأجدُ من يفهمني، وهكذا حتى اعتقدت أُمي في ضرورة اللجوء للطب النفسي.
أذكُر جيدًا حديثه ـ على الرغم من صغري وقتها ـ وأذكر كل ما قاله لي عن ضرورة التعبير ووصاياه، وكلما وقعت في ضائقة حتى الآن أذكُر كلماته وتكون لي خير المُعين لتجاوز ما يُطوّرهُ عقلي إلى اكتئاب أو توتر أو عمق تفكير أو أي اضطراب نفسي.
لماذا أُخبركم بهذا؟
ليس لتخمة الكلمات بداخلي، ولكنّي فقط كبُرت، ولم تعُد المشكلة كلها في عقلي، بل العالم حولنا، وأيقنتُ أن العالم ـ بكل متناقضاته ـ لا نسكنهُ فقط، بل يسكننا أيضًا، فاتسعت الأزمات النفسية!
أخبركم بهذا، لأننا في حاجة جدًا للطب النفسي؛ لأنّ بيع الوهمِ أكل عقولنا ، لأننا لم نعد نقدر أن نستبشر بالمِحن والألمِ، ولن نقنع يومًا بأن نعيش منسجمين وسط كل ما يحدث، لأننا بحاجة لتصالح مع قوانين الحياة ونواميس الكون وسنن الله في أرضه، ولأننا إذا لم نتصالح بعد فإننا لم نعُد قادرين على الإكمال ولا على الإنتاج، لأننا مُنكهون بالتفاصيل الصغيرة وفطرتنا تشوّه، لأننا إن توغلنا في أعماق أنفسنا لوجدنا ما يروّعنا من الزيف والوهم، ولأننا بعد كل هذا لم نعد نهتم وأصيب البعض بالبلادة والآخر مات وهو على قيد الحياة.
أُخبركم بهذا؛ لأنّي منذ أن ذهبتُ للطبيب النفسي اعتدلت نفسي وتحمّلتُ أفكاري وضبطتها في موضعها الصحيح، لم تكن أمي تعتقد في أنَّ ما بي غضب من السماء ـ رُبما لأني كنت صغيرة لم أُغضب رب السماء بعد ـ ولا اعتقدت أنه عقاب لها على ذنب ما، ولا أنَّ الأرواح الشريرة سكنتني فجعلتني منطوية يأكلني عقلي ويُميتني إحساسي ـ لسنا في عصر البدائية وما قبل التاريخ ـ وبالتأكيد لم يكُن مسٌ من الشيطان فالقرآن يُسمع ليل نهار من بيتنا، والذكرُ لا يُفارق بيتنا ” المتدين ” كما يُعرف عنه.
ـ أؤمن بالماورائيات وأؤمن بالأمور الغيبية على اعتبار أنَّها جزء من إيماننا الأصيل، لكني أكره الحيل النفسية في إرجاع أي اضطراب لها، كذا إذا بحثنا في توجه الإسلام للتعامل مع الاضطراب أو المرض العقلي أو النفسي، لوصلنا إلى مصدرين أساسيين يشكلان
هذا التوجه :
1ـ استخدُم لفظ ” مجنون ” في القرآن للإشارة إلى ما يلاحظه الناس على كل الأنبياء من شذوذ عن المعتاد وبعد عن المألوف، حينما يبدءون جهودهم التنويرية في الدعوة، وقد وردت الكلمة 11 مرة في القرآن، ويرجع أصل كلمة مجنون إلى كلمة جِن، وجن في العربية لها مصدر واحد مع عدد من الكلمات الأخرى ذات المعاني المختلفة وتعني استتر الشيء، فالمجنون من استتر شيء في عقله، كما أن الجنين المستتر في الرحم، والجنة لا نعرفها؛ لأنها مستترة … إلخ.
2 ـ وقد ورد أنه قد يكون نتيجة لعدم الانسجام أو ضيق الوعي الذي يتعرض له المؤمنون، ويرتبط بتزييف طبيعة تكويننا الأساسي ( الفطرة ) وكسر انسجام وجودنا بواسطة الأنانية أو الاغتراب، الممثل جزئيًا في افتقاد الاستبصار الكامل، ويمكننا أن نفهم هذا المستوى أكثر إذا كان على معرفة بروح الإسلام، كأسلوب وجودي للحياة والتصرف والارتباط بالطبيعة والاعتقاد الدفين فيما وراء الحياة، والذي لا يجب بالضرورة أن يكون ما فوق الطبيعة.
لذا اُخبركم بهذا، أُخبركم بضرورة اللجوء للطب النفسي وهذا لا يُنافي أبدًا الإيمان، بل بالعكس قد يكون تمام الإيمان واستواء الفطرة في وجود كل ما حولنا مما يُنافي الفطرة ويشوهها سببًا في اضطراب نفسي، أخبركم بهذا لأنَّني كُلما صرفني أحدهم عن الاهتمام بالطب النفسي لم أستطع، لماذا؟
لأن النفس ذكرت 185 مرة في القرآن كمصطلح عام للوجود الإنساني، كجسد وسلوك ووجدان وتصرف، أي كوحدة نفسية ـ جسمية كاملة؛ لأن ظهور الإسلام بالأصل ارتبط بتغييرات جذرية في سلوك العرب إلى الأفضل حتى عُرف ماقبل الإسلام بعصر الجاهلية، لأن الإسلام الحقيقي يُحسّن النفس ويهتم بها ويقدرها ويعظمها، لا يجعلها جاهلة ولا ينظر للاضطراب النفسي على اعتباره مسًا من الجن أو نتيجة للأرواح الشريرة، ولا كغضب من الله.
أردت أن أُجيب على سؤال ” لماذا الطب النفسي؟ ” طويلًا، وإن لم أستطع أن أكون طبيبة نفسية سأُجيب عن سؤال: (لماذا الطب النفسي؟)
The post لماذا الطب النفسي؟ (1) appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست