إلى أي حد كانت المجموعة المكونة للوفد – والتي صبغت الثورة بالعلمانية – والتي أسهمت الظروف في وصولها لزعامة ثورة 19 تمثل الجماهير الثائرة وهل كان الوعي بالتيار العلماني ناضجًا لدى هذه الجماهير ابتداء؟!!
بنظرة متفحصة وقراءة تشريحية للمجتمع المصري نجد المجتمع المصري في أصله كان منقسمًا إلى عمال وفلاحين، وكان يمثلهم أغلبية مسلمة وأقلية مسيحية، ولكن لم يظهر بينهم أبدًا الخلاف ولا الفتن نتيجة لما انتهجه التيار الإسلامي- الصبغة الدينية الإسلامية للدولة شعبًا وسلطة – من نظام سياسي يتسم بانصهار الأقليات فيه عن طريق التسامح وإعطائهم كافة الحقوق المنصوص عليها في الشريعة، وهذا لعب دورًا أساسيًا في الاحتفاظ بالأهمية السياسية للمجتمع الديني كوحدة اجتماعية ويظهر هذا في قول سلامة موريس المسيحي ودفاعه عن العالم العربي وهو من الأقليات فأجاب أنه يدافع عن الإسلام لأنه دين وطنه وكذلك مكرم عبيد عندما قال مسيحي دينـًا ومسلم وطنـًا.
هذا هو الشعب وهذا هو حاله عمال وفلاحين لا يمتلكون من الثقافة إلا القليل ومن الوعي الأقل والعامل الأساسي المتحكم فيهم هو الدين والهوية الدينية.
حتي جاءت ثورة 19 وقال عنها أحمد عزت عبد الكريم الذي يحتل مكان الريادة بين المؤرخين المعاصرين إن ثورة 19 هي أضخم عامل فعال في بناء القومية المصرية وبمعني آخر في رأي أغلب الباحثين تعتبر انتصارًا للتيار القومي على التيار الذي ظل سائدًا ولفترة طويلة وهو التيار الإسلامي.
وقد صاحب الثورة إصدار مؤلفات عديدة تهدف لإعلاء القومية المصرية والوحدة الوطنية مقابل الوحدة الإسلامية عامة والوحدة العربية خاصة، وهذا حظي بتأييد من الاحتلال والأقليات.
واستغل العلمانيون هذه الفرصة بما يمتلكون من وعي، وهم كانوا قلة برجوازية من كبار الملاك ممن تعلموا في أوروبا وينظرون للأمور بعين العقل والمصلحة ويربطون بين ذلك وتقدم أوروبا وبين النظرة الدينية وتخلف المسلمين، وانحصرت تصوراتهم للتقدم وحل مشاكل البلاد في الارتباط بأوروبا والحضارة الغربية وتنمية الانتماء القومي دون الارتباط بدولة الخلافة وبالتالي بفكرة الجامعة الإسلامية، وساهمت الحرب العالمية الأولى والظروف السياسية في ظهورهم على سطح الأحداث.
غير أن هذا الوضع لم يستمر كثيرًا خاصة بعد دستور 23 الوضعي وظهور أخطاؤه وثغراته فعاد المجتمع وفقـًا لطبيعته المتماشية والمتسقة مع الدين وفطرته السليمة غير الملوثة لتبني النظام الديني الذي كان الإسلام والشريعة فيه منهجًا، وتمثل ذلك وقتها في الجماعات الإسلامية على كافة اتجاهاتها السياسية على الرغم من خلو مناهجها في هذا الوقت من أية برامج إصلاحية بناءة للمجتمع، ولكن كانت هي التجربة الأنجح فعاد المجتمع البسيط لإحيائها.
وقد أدركت البعثات التبشيرية هذا الوضع المجتمعي سابقـًا وأرسلت تقارير بأن خليفة المسلمين ليس زعيمًا روحيًا فقط، ولكنه أيضًا زعيم سياسي وتأكيدًا على الصبغة الإسلامية للمجتمع أصدرت بريطانيا منشورًا أثناء حربها على تركيا جاء فيه (ولعلم بريطانيا العظمى بما للسلطان بصفته الدينية من احترام واعتبار عند مسلمي القطر المصري فقد أخذت بريطانيا على عاتقها جميع أعباء هذه الحرب بدون أن تطلب من الشعب المصري أية مساعدة) واستتبع ذلك استصدار فتوى من بعض مشايخ الأزهر في 19 نوفمبر 1914 تدعو السكان لاحترام النظام والامتناع عن الإتيان بأي عمل سياسي.
وجدير بالذكر أنه عندما أدرك الاحتلال خطورة المنبر الديني عامة، والأزهر خاصة استدعت دار الحماية الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر وطلبت منه غلق الأزهر؛ فرفض فحاصر الإنجليز الأزهر ومنعوهم من عقد اجتماعهم فذهبوا لجامع بن طولون.
وعندما شكل الأزهر قوة البوليس الوطني فنعمت من العامة بالطاعة والتأييد حتى إن الاحتلال أصدر أمرًا في 17 أبريل 1919 يتضمن تهديدًا باعتقال من يحمل شعار هذا البوليس.
وأقر الدكتور جريس ميسفور بتطابق الجنسية مع العقيدة في مصر والشرق كله، وأن هتافات يحيا الوطن كانت تعني يحيا الدين، وأن شعور العداء لإنجلترا ليس بسبب أنها دولة أجنبية ولكن لأنها دولة غير إسلامية.
أي أن المجتمع الديني الإسلامي كان أقوى ما يحارب به هو إلباس الباطل رداء الدين المؤثر نفسه؛ فكان هو سلاح الاحتلال ومن بعده الدولة إلى يومنا هذا.
غير أن هناك عوامل أخرى ساعدت على التمادي في صبغ الثورة بالصبغة العلمانية تتمثل في هزيمة دولة الخلافة وانحسار فكرة الجامعة الإسلامية وتراجع المؤسسات التقليدية الإسلامية في مصر، وفي مقدمتها الأزهر إلى جانب غيبة – من سموا بالمتطرفين- زعماء الحزب الوطني الذين روجوا للأيديولوجية الإسلامية الوطنية، كما أن الثورة في أصلها لم تكن تحمل العداء للأجانب كمبدأ أو أن لها اتجاهًا عربيًا بل كان الصدام مع المحتل المسيحي بناءً على العقيدة الدينية، وعدم تقبل فكرة أن يحكموا من قبل مسيحيين لأن هذا مخالف للشريعة الإسلامية التي يتبناها المصريون مسلمون ومسيحيون.
كل هذه العوامل ساعدت في صعود العلمانيين البرجوازيين وقد نعم هذا الفريق منذ البداية بتأييد الاحتلال، ورأى هذا الفريق أنه إذا كان لابد من الاحتلال فليكن الاحتلال بريطانيًا.
وكان سعد زغلول ينتمي لهذه المدرسة مدرسة حزب الأمة؛ ولهذا فإن الإنجليز كانوا يقربون هذه المدرسة منهم لأنها جبلت على التعامل مع الاحتلال، ورحبت بإعلان الحماية حيث اعتبروه أكثر ملاءمة لمصلحة الأمة ومستقبلها؛ ولهذا كان يدفع مرتبات لبعضهم كسعد زغلول ورشدي باشا ويمنحهم معاشات تقاعدية لحين وفاتهم.
ولم يكن سعد زغلول هو صاحب فكرة الوفد، بل إنه كان في بادئ الأمر ضدها، واعتبر رفضه للفكرة تقربًا للإنجليز حتى ياخذ مقعدًا وزاريًا، ولكن خاب ظنه، في هذا الوقت كانت فكرة الوفد بدأت تلقى صدى وقبول فانضم لها سعد بعد أن خذله الإنجليز.
وقد خلا الوفد من ممثلين للعمال والفلاحين وهم أغلبية الشعب. كما أن فكرة رئاسة سعد زغلول للوفد لم تشغل أهمية عند الإنجليز فكتب (ملن تشاتهام) القائم بأعمال المندوب السامي إلى (اللورد _كيرزون) 24 فبراير 1919 أن سعد زغلول ليس موضع ثقة لأحد، وأن الموقف لا يشبه في خطورته قليلاً أو كثيرًا ما كان عليه أيام مصطفي كامل، ولا يستدعي الخوف أو يستوجب أن تتاثر به الحكومة الإنجليزية فيما يتعلق بالمسائل الدستورية والشكل الذي يجب أن تصطبغ به الحماية.
وقد كان الإنجليز يدركون أن هناك انفجارًا يلوح في الأفق ولكنهم كانوا يخشون قيادة متطرفة وذات شعبية – إسلامية أو ذات صبغة دينية – فأبقوا على سعد ورفاقه لأنهم دون شعبية تذكر، وأن سعدًا تحديدًا بدأ في مواجهة صعوبات في الاحتفاظ بمركز لائق في أعين الناس.
ومن هنا كان لابد من محاولة الربط بين الجماهير التي قد تثور في أية لحظة وبين هؤلاء المعتدلين فجاء الربط الذي مهدت له الصحف بمتابعة أخبار الوفد وتضخيم دوره، فافتعل حادث القبض على سعد ورفاقه ونفيهم إلى مالطا، ويتضح ذلك في تقرير (اللنبي) أرسله إلى (كيرزون) في 4 مايو 1919 قال فيه: وكانت الآثار المباشرة التي ترتبت على اعتقاله أن أصبح سعد زغلول ورفاقه أبطالاً شعبيين.
وعلى الرغم من أن الثورة قامت على أثر حادث الاعتقال إلا أنه كان أمرًا مفاجئًا لهم، فهم لم يعدوا لثورة ولم يؤمنوا إلا بسياسة التفاهم المباشر مع الإنجليز، بل إن الثورة كانت على غير إرادة بعضهم، ومن هنا يمكن قبول القول القائل بأن خبر الثورة قد أحزن سعد زغلول في مالطة إذ خيل إليه أن هذه الاضطرابات مدبرة وأنها دسائس للتاثير على الرأي العام وإظهار مصر في صورة العنف، وأن ثورتها ليست ثورة أحرار بل ثورة مخربين وسفاكي دماء، ولم يكتف الوفد بالرفض بل ذهب لمواجهة هذه الثورة بإصدار بيانات – مستخدمًا الأسلوب الديني– لتحض الجماهير على الكف عن الثورة وتطالب أعيان البلاد باتخاذ كافة الوسائل لمنع هذه التصرفات وما ينجم عنها باعتباره ضد مصلحة البلاد، كما أنهم لا يرتضون الأسلوب الموجود في المنشورات، الذي وصفوه بالمتطرف، غير أنهم لم يستطيعوا أن يصدحوا بهذا الرأي كثيرًا خشية الضرر الممكن وقوعه عليهم من الجماهير الثائرة، وخشية فقدان مكانتهم كأبطال متوجين على رأس الثورة.
وبذلك نستطيع أن ندرك الغرض الذي جعل المجموعة الممثلة في الوفد تحاول أن تصبغ الثورة بالعلمانية، وتظهر الشعب بصورة مسالمة يكره الشغب ولا يكره الأجانب ويتسامح مع الأقليات، وذلك حتى تحصل على تأييد الدول المنتصرة وأولها أمريكا وفرنسا والرأي العام في إنجلترا، حتى إنهم ادعوا كذبًا أن الشعب المصري ساند بريطانيا ضد الدولة الإسلامية، واعتبره البعض تملقـًا باردًا لا يرضى به المصريون.
لحق هذا كله هزيمة تركيا وضعف الجامعة الإسلامية ثم إلغاء الخلافة رسميًّا، وأدى ذلك بالضرورة إلى انتقال الحركة الوطنية من المفهوم العام للجامعة الإسلامية إلى المعنى المحدود للوطنية المصرية، وهو اتجاه سعت إنجلترا لتعميقه بل لفرضه عن طريق المثقفين الليبراليين في نفوس المصريين.
وعلى الرغم من إسهام هذه الأمور في نضوج نسبي للتيار العلماني بين مجموعة من المثقفين، وكذلك انحسار المد الإسلامي لغياب الأيديولوجية الإسلامية إلا أن ذلك لا يعني ضعف التاثير الديني الإسلامي على قطاعات عريضة من المصريين، وحتى على أغلب الليبراليين لتوافقه والعادات والتقاليد والأعراف المصرية، وهذا هو ما حدث بعد دستور 23 خاصة بعدما ظهرت ثغراته وأصبح الفرق واضحًا بين القانون الوضعي والقانون المستمد من الشريعة الإسلامية عندما ازدهرت الحركات الإسلامية مرة أخرى بكافة اتجاهاتها، على الرغم من محاربتها من قبل الدولة ومن قبل الاحتلال.
ونخلص من ذلك إلى أن المجموعة التي وصلت إلى مكان القيادة في ثورة 1919 وما بعدها وإلى الآن قد فشلت في إحداث التحول المأمول للعلمانية على الرغم من سيطرتها على وسائل الإعلام من وقتها وإلى الآن وهو السلاح الأقوى؛ ولأن المؤسسات السياسية كانت ومازالت تعتمد على توجيهات الدول الأوروبية ولم تستمد أيديولوجياتها يومًا من واقع المجتمع، ولم تعبر يومًا عن رغبات الشعب الحقيقية، وكما يرى الأستاذ مجيد خدوري ونراه ينطبق على واقعنا اليوم؛ فإن القيادة والولاء الحزبيين (الشكل الرسمي للديمقراطية المزعومة) اعتمدا على الارتباط الشخصي والعائلي أكثر مما اعتمدا على التأييد العام.
وأصبحت الأحزاب تمثل حفنة من الأشخاص تتعلق بزعيم سياسي دون أن تبذل أي جهد للاتصال بالجماهير، فأصبحت الحياة السياسية ممثلة في طبقة البرجوازيين الساعين للتخلص من عباءة الدين المجتمعية التي يدعون زورًا أنها سببًا للتخلف وتطبيق النظرية العلمانية المصلحية الفردية المطبقة في أوروبا، ويرون أنها سبب للتقدم والتطور، وحين حدث ذلك فقد وقع المجتمع في فخ فقد الهوية والتخبط لأنه ترك اعتقاداته الخاصة المكتملة الأركان المؤمن بها إيمانـًا كاملاً – الدين– ونهج مسلكـًا لا يتسق وفطرته – العلمانية – وهي نظرية مطاطية يغلب عليها العوار وتكثر فيها الثغرات.
فأصبح المجتمع القائد مجتمعًا تابعًا، وأصبح المبدع مقلدًا، وأصبح تقليد العدو الأجنبي وانتظار تعليماته وتنفيذ أيديولوجياته واستراتيجياته أولى وأسبق من إنجاز هوية واضحة والدفاع عن القضية الأصلية للمسلمين، على الرغم من وضوح الهوية والقضية، ولكن تغافل المجتمع عن ذلك كله مقابل تحقيق شهواته ومتعته الدنيوية الزائلة فكان التخلي عن الدين والظهور بمظهر العلمانية هو الحل لقلب الحقائق والاتجاه من تعاليم الإسلام لتعاليم الغرب، ومن تعاليم السماء لتعاليم الأرض ففقدت الهوية وأصبح الإسلام مظهر تخلف والعلمانية مظهر تحضر فكان ادعاء علمانية ثورة 1919.
The post ثورة 19 بين العلمانية والدينية appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست